محمد هارون عمر يكتب: درر الأمثال السودانية.. «البسترك ما بغنيك»

وهج اليراع
كتب/ محمد هارون عمر
الأمثال وميضٌ ووهجٌ يقشع عتمة البؤس الأخلاقي، وهي كنوز ثقافية ووعظية وإرشادية، تتضح فيها الحكمة والموعظة الحسنة. ومردودها الأخلاقي بيّن، وهي لكل الناس؛ لتساعدهم على الشهامة والإقدام، فينفقون إنفاقَ من لا يخشى الفقر.
يُضرب المثل لتعمّ الفائدة، ولكيلا يمرّ المرء بطور التجربة المرير. وتُقال الأمثال في مناسبات مختلفة؛ يقولها مثقف أو حكيم، ثم يتمثّل بها الناس حينما تطلّ مناسبة مشابهة أو مضاهية. وعندما يُقال المثل، يكون القصد أحيانًا إفحام المتردد وإلجامه، لكي ينهل من معين تجربة لُخّصت في قول موجز، بلغة غير متقعّرة ولا متَنطّعة، شاعرية أو مسجوعة.
ومثل اليوم يُعدّ من درر الأمثال السودانية، بل من أجملها وأنبلها وأقيمها وأفضلها؛ إذ يقول في كلمتين موجزتين جميلتين: «البسترك ما بغنيك».
هذا المثل يحثّ على الإنفاق والصدقات والتبرعات، وهي قيم ومثل يحضّ عليها الدين الحنيف، وتصدع بمشاعر وأحاسيس جياشة. ويأخذ المثل معناه من الحديث الشريف: «ما نقص مالٌ من صدقة»، ومن قوله تعالى: «مَن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها»، وكذلك قوله تعالى: «وتلك الأمثال نضربها للناس»، وما تحمله النصوص من حثّ على مجاهدة شحّ النفس والبذل في سبيل الخير.
والمثل يشجّع ويحفّز ويحثّ على الكرم الحاتمي، والعطاء غير الممنون لوجه الله، لمساعدة البؤساء والأيتام والأرامل، وكل شخص ضعيف ابتلاه الله بالفقر. وما أكثر أعمال الخير التي تتطلب العطاء، من بناء المساجد والمدارس والمشافي، وعلاج المرضى، وإطعام الجوعى، وإغاثة الملهوف.
ويُقال المثل للمتقاعس أو المتخاذل أو البخيل: «البسترك ما بغنيك»، بمعنى أن الصدقات والهبات والزكوات لا تستنزف مال صاحبها، ولا تمثل شيئًا يُذكر مقارنة بحجم ثروته؛ وربما لا تبلغ الصدقة واحدًا في المئة من حجم الثروة وجملة المال. فالزكاة لا تُفقر صاحبها، وهذا هو معنى «ما بغنيك»؛ أي إن المال الذي يُوهب أو يُنفق في وجوه الخير لا يمثل كل الثروة، ولا يشكّل مصدرًا للفقر أو نقصان الأموال، لأنه نسبة صغيرة مقارنة بما يملكه المتصدّق.
وقد يكون العطاء في صورة نقدية أو عينية، وثمة نماذج جيدة للكرم، كالهبات والمنح النقدية والعينية. وهي، إلى جانب أثرها في سدّ حاجة المحتاج، سترٌ لحال المتصدّق، بمعنى أنه قام بدور كبير يثني عليه المجتمع ويقرظه على ما قام به، وهذا دثار ووشاح اجتماعي يمثل ميدالية على صدر الكريم.
إن المثل يحضّ على العطاء، ويذمّ البخل وينتقده بصورة غير مصرّح بها، وهو خليق وجدير بالاحتفاء والاقتفاء والاقتداء؛ لأنه يختزل في كلماته القليلة فلسفة اجتماعية وأخلاقية عميقة، مفادها أن ما تنفقه في سبيل الخير لا ينقص من مالك، بل يزيدك قيمةً ومكانةً وأثرًا في حياة الآخرين.

