محمد هارون عمر يكتب: بواعث الهجوم على الثورة المهدية (1881–1898م)

وهج اليراع
كتب/ محمد هارون عمر
تُلاحظ، خلال سنوات الحرب وحتى الآن، بروز منصات كثيرة متخصصة في الحديث عن تاريخ الثورة المهدية (1881–1898م). كما انتشرت تسجيلات ولقاءات عديدة مع مؤرخين وباحثين تستضيفهم قنوات تخصصت في تناول سلبيات الدولة المهدية وأخطاء قادتها.
وثمة منصات تتحدث، بمعرفة أو بغير معرفة، عن تاريخ المهدية، وتصفه بأنه تاريخ «مدلهم» و«ثيوقراطي قبلي»، كما يزعمون، في سفسطة غريبة وعجيبة تهدف إلى إلباس الباطل ثوب الحق.
والملاحظ في هذا الزخم وجود قواسم مشتركة بين هؤلاء الناقدين المتربصين، أهمها التركيز على فترة حكم الخليفة عبد الله، ونقدها وتشويهها وإدانتها بكل الوسائل، مع البحث عن السلبيات دون الغوص في جذور المعضلات التي تسببت في ذلك الصراع.
وتستضيف بعض القنوات كبار المؤرخين لاستدراجهم إلى نقد المهدية، وكثر الحديث عن ما يُسمى خزيها ومساوئها، وظلمها للشعب، وفشلها التاريخي. والحقيقة أن هناك حملة ضارية، من أهم أهدافها تشويه صورة الخليفة عبد الله، وإعادة إنتاج ما كتبه سجناء وأسرى المهدية من المستعمرين، ومنهم الجنرال إبراهيم فوزي، نائب غردون، الذي حرره كتشنر من سجن الساير بعد معركة كرري عام 1898م، فكتب كتاب «السودان بين يدي غردون وكتشنر»، وكذلك كتاب «السيف والنار في السودان» لسلاطين باشا، وكتاب تشارلز نيوفلد، سجين الخليفة، وكتاب القس أورفالدر «عشر سنوات في معسكر المهدي»، وأخيراً كتاب نعوم شقير «جغرافية وتاريخ السودان».
إن أعداء الحقيقة ينهلون من معين أولئك الكتّاب الذين ينظر إليهم الكاتب بوصفهم منحازين للمستعمر.
أما الهدف الثاني، فهو الربط بين الثورة المهدية وقوات الدعم السريع، بل ذهب بعضهم إلى القول إن الدعم السريع نبت من تلك الأرومة، وإنه امتداد لما يصفونه بجبروت المهدية.
لقد كانت الثورة المهدية ثورة البؤساء الذين عاشوا تحت مطرقة الاستعمار التركي المصري وسندانه، وقدّموا أرواحهم رخيصة من أجل الدين والوطن، فكانت ملحمة تاريخية ذات صدى عالمي. ويكفي أن خصومها أنفسهم اعترفوا ببسالة مقاتليها وإقدامهم طلباً للشهادة أو النصر.
وشاركت في الثورة المهدية قبائل السودان كافة، ولم تكن حكراً على عرب جنوب دارفور. ومن درس تاريخ الثورة جيداً يعلم ما دار بينها وبين بعض سكان جنوب دارفور، وربما كان الصراع هناك أشد ضراوة وأقسى من الصراع في وسط السودان. ويمكن تقصي أسباب مصرع مادبو علي، والغزالي أحمد، وعجيل الجنقاوي، لفهم طبيعة تلك الأحداث.
والخلاف أمر وارد في مثل هذه الثورات العظيمة، ولا يجوز عزو الثورة إلى إثنية بعينها أو تحميلها وحدها مسؤولية الإخفاقات. وما يقوم به بعض المزورين لا يغيّر من بطولات الثوار والمناضلين والمجاهدين.
يمكن نقد الثورة المهدية، فهي ليست مقدسة، ولكن ينبغي أن يكون ذلك بموضوعية وعقلانية، ووفق آليات النقد التاريخي الموثق والمبني على الحقائق. أما اللعن والسب ونابي القول، والزعم بأن الإمام المهدي كان مستبداً وقاتلاً وظالماً ومتعطشاً للدماء، فهو نقل حرفي من قاموس المستعمرين.
ولا يعقل أن تكون الثورة الرائدة في إفريقيا ثورة غوغاء أو غجر، كما يردد البعض. وحتى نعوم شقير نفسه لم يقل ما يقوله هؤلاء المرجفون في حق الشهداء الأبطال الذين حملوا راية النضال والكفاح، وضحوا بأرواحهم في سبيل قضيتهم.
لقد اعترف الأعداء أنفسهم بفضل من قاتلوهم، فقد هدموا دولة وأقاموا على أنقاضها دولة أخرى. ألم يكن قادة الثورة من عامة الناس وفقرائهم؟
لقد ظهرت نعرات شوفينية ومناطقية وعنصرية مؤدلجة، وهي التي تغذي هذا التيار الذي جعل من المهدية مشجباً لتعليق كل الخطايا.
إن الثورة المهدية ليست مقدسة، وأي تجربة سياسية لا بد أن يعتريها الصواب والخطأ، ويمكن دراسة التجربة واستقصاؤها وعجم عودها وسبر أغوارها، ثم إصدار الأحكام عليها وفق منهج علمي. أما معاول الهدم الصدئة، فإن مستخدميها ينطبق عليهم قول العرب: «كالمنبت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى.»
رحم الله رواد الثورة المهدية، فهم خالدون، وما زالت الأجيال تتغنى بأمجادهم، ويكفي ما صدح به المبدع الراحل محمد وردي:
كرري تحدث عن رجالٍ كالأسود الضارية
خاضوا اللهيب وشتتوا كتل الغزاة الباغية.

