تقاريرحوارات ومقالاتقضايا ومحاكم

خالد الفكي يكتب: مصلح… حين تكسب الدولة ثقة الناس

 

 

من حروفي

 

 

بقلم: خالد الفكي

 

 

 

في أزمنة الحروب، تتسع المسافات بين الدولة والمجتمع، ويصبح ترميم الثقة أصعب من إعادة إعمار المدن. لذلك فإن نجاح أي مسؤول لا يُقاس بما يصدره من تصريحات، بل بما يتركه من أثر في حياة الناس، وبقدرته على تحويل المنصب إلى وسيلة لخدمة المجتمع، لا غاية في ذاته.

من هذا المنطلق، تبدو تجربة مستشار رئيس مجلس الوزراء للسلم المجتمعي، مصلح نصار، جديرة بالتأمل. فمنذ توليه المنصب، أعلن عن إنجاز أكثر من ثلاثين مصالحة مجتمعية شملت نزاعات قبلية وتوافقات أهلية، مستنداً إلى الإدارات الأهلية، والنظار، والعمد، ورجال الطرق الصوفية، في إدراك واضح بأن السلم الأهلي في السودان لا يُبنى بالقرارات وحدها، وإنما بالشراكة مع القوى المجتمعية صاحبة التأثير.

غير أن أكثر ما يستوقف المتابع هو حضوره بين الناس. فقد قادتني الصدفة لأن أكون شاهد عيان على موقفين إنسانيين تجاه امرأتين أنهكتهما قسوة المعيشة، واحترفتا بيع الشاي والكسرة تحت وهج الشمس. في المشهدين، لم يكن المال أول ما قدمه، بل الاحترام، وحسن الاستماع، ثم المساندة التي تحفظ الكرامة قبل أن تعالج ضيق الحال.

ولا أنسى سيدة أركويت التي جلست يوماً كاملاً تنتظر رزقاً لم يأت. كانت كلماتها تختصر معاناة آلاف النساء اللاتي يحملن أعباء أسرهن في ظروف استثنائية. وحين تكفل مصلح نصار بالمساهمة في معالجة وضعها المعيشي، ارتفعت يداها بالدعاء له. ذلك الدعاء العفوي لا تصنعه الحملات الإعلامية، بل تصنعه المواقف الصادقة.

السودان اليوم لا يحتاج إلى مسؤولين يكتفون بإدارة الملفات من خلف المكاتب، وإنما إلى رجال يلامسون هموم الناس، ويطفئون الحرائق الاجتماعية قبل أن تتسع، ويجعلون من المنصب جسراً بين الدولة والمواطن. وإذا كان السلم المجتمعي يبدأ بإطفاء النزاعات، فإنه يترسخ أيضاً بحفظ كرامة الإنسان، خاصة المرأة التي دفعتها ظروف الحرب إلى مواجهة الحياة وحدها.

قد يختلف الناس في تقييم المسؤولين، لكنهم يتفقون على أن المسؤول الذي يخرج إليهم، ويستمع إليهم، ويشاركهم همومهم، يرسخ صورة مختلفة للدولة. وفي زمن الانقسامات، تبقى المصالحات، والعمل الإنساني، وكسب ثقة المواطنين، استثماراً وطنياً لا تقل أهميته عن أي مشروع لإعادة بناء السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي