الإقتصادتقاريرحوارات ومقالات

خالد الفكي يكتب: مشروع الجزيرة.. معركة النهوض من تحت الركام

 

 

 

من حروفي

 

 

كتب/ خالد الفكي

 

 

 

لم يكن الدمار الذي خلّفته مليشيات آل دقلو في مشروع الجزيرة مجرد اعتداء على منشآت زراعية أو تخريب لمرافق خدمية، بل كان استهدافاً مباشراً لقلب الاقتصاد السوداني وأحد أهم ركائز الأمن الغذائي في البلاد.

 

وخلال الزيارة الإعلامية التي نظّمها مركز عنقرة للخدمات الصحفية إلى ولاية الجزيرة، رأينا كيف امتدت يد التخريب إلى البنية التحتية للمشروع، وطالت قنوات الري والمنشآت الهندسية والإدارية، وأحدثت خسائر فادحة في منظومة الإنتاج، في وقت كان فيه المشروع يواجه أصلاً تراكمات طويلة من الإشكالات الهيكلية والتعقيدات الإدارية والتمويلية.

 

 

غير أن مشروع الجزيرة، الذي ظل طوال تاريخه شاهداً على قدرة السودان على صناعة المستقبل من الأرض، بدأ ينهض من بين الركام. وفي هذا السياق، تبرز الجهود الكبيرة التي يبذلها محافظ المشروع، المهندس إبراهيم مصطفى، الذي وجد نفسه أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز إدارة مؤسسة زراعية إلى قيادة عملية إنقاذ وإعادة بناء واحدة من أعظم المشروعات الزراعية في القارة الأفريقية.

 

ويُحسب لمحافظ المشروع أنه لم يتعامل مع الواقع بمنطق إدارة الأزمة فحسب، بل اتجه إلى بناء استراتيجية إسعافية ذات أفق مستقبلي، تستهدف إعادة تحريك عجلة الإنتاج، وتذليل العقبات، ومعالجة الاختناقات التي ظلت لسنوات طويلة تحول دون زيادة الإنتاج الكلي في مشروعي الجزيرة والمناقل. كما أن توظيف الرقمنة والأقمار الصناعية والوسائل العلمية الحديثة في التخطيط والمتابعة يمثل انتقالاً مهماً من الإدارة التقليدية إلى إدارة تعتمد على البيانات والتقنيات الحديثة في اتخاذ القرار.

 

 

لكن إنقاذ مشروع الجزيرة لا يمكن أن يبقى مسؤولية المحافظ وحده. فالمطلوب أن تنظر مؤسسات الدولة العليا، في مجلسي السيادة والوزراء، بجدية إلى مراجعة قانون عام 2005، الذي أفرز تعقيدات وتقاطعات واسعة في تنظيم العلاقة بين إدارة المشروع وشركاء العملية الإنتاجية، وأثار إشكالات تتصل بملكية أصول المشروع، ودور وزارة المالية الاتحادية، وتوفير التمويل اللازم للعملية الإنتاجية.

 

 

كما أن معالجة قضايا المزارعين، خاصة ملفات الإعسار والتمويل، تمثل شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة وتحقيق الاستقرار الإنتاجي. ولا بد من وضع مسارات واضحة للعلاقة بين إدارة المشروع وجمعيات تنظيم المهن الزراعية والإنتاجية، عبر تنسيق مؤسسي يحدد الأدوار والمسؤوليات، ويمنع التداخل والتقاطعات.

 

 

إن مشروع الجزيرة اليوم أمام لحظة تاريخية: إما أن تستمر الإشكالات القديمة في إعادة إنتاج نفسها، أو تتحول الحرب والدمار إلى فرصة لإعادة بناء المشروع على أسس قانونية وإدارية وتمويلية وتقنية جديدة. وما يقوم به المهندس إبراهيم مصطفى يمثل بداية مهمة، لكن النهوض الحقيقي لن يكتمل إلا بإرادة دولة تنظر إلى مشروع الجزيرة باعتباره قضية وطن، لا مجرد مؤسسة إنتاجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي