خالد الفكي يكتب؛ الرعاية الصحية الأساسية.. شواغل ورهانات المستقبل

من حروفي
كتب/ خالد الفكي
في خضم التحديات المتعاظمة التي تواجه القطاع الصحي بالسودان، تظل الرعاية الصحية الأساسية هي خط الدفاع الأول والدرع المتين الذي يستند إليه النظام الصحي في مواجهة الأزمات والكوارث والطوارئ. فهي ليست مجرد خدمات صحية تقدم للمواطنين في المراكز والوحدات الصحية، وإنما تمثل الفلسفة التي يقوم عليها مفهوم العدالة الصحية وضمان وصول الخدمات الأساسية إلى جميع المواطنين، خاصة الفئات الأكثر هشاشة وتأثراً بالظروف الاستثنائية.
لقد أثبتت تجربة الحرب الأخيرة بما لا يدع مجالاً للشك أن الرعاية الصحية الأساسية كانت إحدى أكثر الإدارات قدرة على الصمود والاستمرار في تقديم الخدمات رغم الظروف المعقدة التي مرت بها البلاد. ففي الوقت الذي تعطلت فيه العديد من المرافق والخدمات، ظلت برامج التحصين، وصحة الأم والطفل، ومكافحة الأمراض، والتغذية، والتثقيف الصحي، تمضي بخطى ثابتة بفضل التخطيط السليم، والإدارة الواعية، وتقوية الشراكات مع المنظمات الدولية والجهات الداعمة، فضلاً عن تفاني الكوادر الصحية العاملة في الميدان.
ولعل الملتقى السنوي للرعاية الصحية الأساسية للعام 2026م، الذي انعقد تحت شعار “نحو تحسين جودة واستمرارية الخدمات وتعزيز الحوكمة”، يأتي في توقيت بالغ الأهمية، حيث تتجه الأنظار نحو مرحلة التعافي وإعادة البناء، وهي مرحلة تتطلب مراجعة شاملة للتجارب السابقة والبناء على النجاحات التي تحققت خلال سنوات الحرب والأزمات.
ولا يمكن الحديث عن النجاحات التي حققتها الرعاية الصحية الأساسية دون الإشارة إلى الدور القيادي الذي اضطلع به وزير الصحة الاتحادي البروفيسور هيثم محمد إبراهيم، والذي ظل يتابع عن قرب تنفيذ السياسات والخطط الصحية، ويعمل على تعزيز الشراكات مع المؤسسات الإقليمية والدولية، بما يضمن استدامة الخدمات الصحية وتوسيع نطاق التغطية الصحية الشاملة. كما يبرز الدور المحوري لوكيل وزارة الصحة الدكتور بابكر سيد أحمد، الذي ظل يمثل حلقة الوصل المهمة بين التخطيط والتنفيذ، من خلال متابعة السياسات العامة وتقييم الأداء وضمان انسجام البرامج الصحية مع أولويات المرحلة ومتطلباتها.
لقد جاءت إشادة الوزير بالأداء الذي قدمته الإدارة العامة للرعاية الصحية الأساسية خلال فترة الحرب انعكاساً لواقع ملموس، خاصة وأن هذه الإنجازات أسهمت في تعزيز ثقة المانحين والداعمين بالنظام الصحي السوداني، وهو ما انعكس إيجاباً على استقطاب الدعم والتمويل، ومن ذلك إدخال لقاح الملاريا خلال فترة الحرب، في خطوة تؤكد قدرة المؤسسات الصحية الوطنية على تنفيذ البرامج الكبرى حتى في أصعب الظروف.
غير أن نجاحات الأمس لا ينبغي أن تحجب التحديات الماثلة أمام القطاع الصحي اليوم. فالسودان يواجه واقعاً جديداً أفرزته الحرب، يتمثل في اتساع رقعة النزوح الداخلي، والتحركات السكانية المستمرة، وظهور تجمعات سكانية جديدة تحتاج إلى خدمات صحية عاجلة ومستدامة. كما أن الضغوط المتزايدة على المرافق الصحية تتطلب إعادة النظر في توزيع الموارد والخدمات بما يتناسب مع المتغيرات الديموغرافية والاجتماعية التي فرضتها المرحلة.
ومن هنا تبرز أهمية وضع خطط واستراتيجيات واقعية تستشرف المستقبل، وتستند إلى المعلومات الدقيقة والبيانات المحدثة، مع التركيز على تعزيز الحوكمة وتحسين جودة الخدمات الصحية وضمان استمراريتها. كما أن تطوير نظم المعلومات الصحية أصبح ضرورة ملحة لاتخاذ القرار السليم وتوجيه الموارد وفقاً للاحتياجات الفعلية للمجتمعات المستهدفة.
وفي ذات السياق، تظل قضية الكادر الصحي من أهم القضايا التي تتطلب اهتماماً خاصاً. فالتوسع في الخدمات الصحية وتحسين جودتها لا يمكن أن يتحقق دون كوادر مؤهلة ومدربة وقادرة على التعامل مع التحديات المستجدة. ولذلك فإن الاستثمار في التدريب المستمر، وبناء القدرات، وتحسين بيئة العمل، وتوفير الحوافز المناسبة، يمثل أحد المفاتيح الأساسية لإنجاح برامج الرعاية الصحية الأساسية خلال المرحلة المقبلة.
كما أن توفير الإمدادات الطبية واللوجستيات ووسائل النقل والتشغيل يظل من المتطلبات الجوهرية لضمان وصول الخدمات إلى المناطق الطرفية ومواقع النزوح والتجمعات السكانية الجديدة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد.
إن الرعاية الصحية الأساسية ليست مجرد إدارة ضمن هيكل وزارة الصحة، بل هي مشروع وطني متكامل يرتبط ارتباطاً وثيقاً باستقرار المجتمع وتحقيق التنمية المستدامة. وكلما كانت هذه المنظومة قوية وفعالة، كان المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتعافي منها.
ويبقى الرهان الأكبر خلال المرحلة المقبلة هو تحويل الدروس المستفادة من سنوات الحرب إلى فرص حقيقية للإصلاح والتطوير، وبناء نظام صحي أكثر مرونة وكفاءة وعدالة، قادر على الاستجابة للاحتياجات الراهنة واستشراف تحديات المستقبل. وعندها فقط يمكن القول إن السودان قد وضع قدميه على الطريق الصحيح نحو تحقيق التغطية الصحية الشاملة وضمان حق المواطن في الحصول على خدمة صحية آمنة ومستمرة وعالية الجودة.

