جعفر باعو يكتب.. موسى هلال الذي نعرفه

موسى هلال الذي نعرفه
كتب/ جعفر باعو
في محطات الأزمات الكبرى، لا يُقاس الرجال بما يقولونه على المنابر، بل بما يرفضونه في الغرف المغلقة. فهناك، حيث تُعرض الصفقات وتُختبر الضمائر، يسقط كثيرون… ويقف القليلون فقط في صف الوطن.
ومن بين تلك اللحظات الفاصلة، تعود الذاكرة إلى مؤتمر شورى “وادي التمر” في مارس 2015، ذلك الحدث الذي لم يكن مجرد تجمع قبلي عابر، بل منصة كشفت عن معادن الرجال في زمن كانت فيه البلاد تتعرض لرياح الاستهداف والتفكيك.
ووسط الحشود الكبيرة من أبناء “المحاميد”، وبحضور القيادات الأهلية والشبابية، بدا الشيخ موسى هلال يومها أكثر من مجرد زعيم قبلي يخاطب جماهيره.
بدا رجلًا يقرأ المشهد السوداني بعين تدرك حجم المؤامرة القادمة، وخطورة الانزلاق نحو مشاريع التمرد والارتهان للخارج.
لكن الحقيقة الأعمق لم تُقَل على المنصة العلنية، بل في ذلك اللقاء الخاص الذي جمعه بكاتب هذه الزاوية والزميلين خالد الفكي ولؤي عبدالرحمن. هناك كشف الرجل ـ بوضوح لا لبس فيه ـ عن محاولات استقطاب مكثفة، وعروض مغرية تدفقت من جهات إقليمية ودولية، شملت المال والسلاح والدعم المفتوح، مقابل الانخراط في مشروع يستهدف الدولة السودانية من الداخل.
كان المطلوب، ببساطة، أن يُباع الوطن تحت لافتات النفوذ والسلطة.
غير أن رد موسى هلال جاء حاسمًا وقاطعًا، كطلقة في وجه الطامعين: “أنا ما ببيع بلدي ولو بمال الدنيا كله.”
لم تكن تلك العبارة مجرد جملة عاطفية للاستهلاك الإعلامي، بل كانت إعلان موقف وطني كامل، اختار فيه الرجل الانحياز للسودان، رغم تعقيدات المشهد، ورغم خلافاته الحادة آنذاك مع مراكز القرار السياسي.
واليوم، حين يقف موسى هلال منحازًا لمؤسسة الجيش في معركة الكرامة ضد التمرد والمرتزقة، فإن موقفه لا يبدو طارئًا أو متناقضًا، بل امتدادًا طبيعيًا لذلك الموقف القديم. فالرجل الذي رفض، في ذروة نفوذه، أن يكون أداة لمشروع خارجي، لا يمكن أن يقبل لاحقًا بتحويل السودان إلى ساحة للفوضى والاحتلال المقنع.
لقد أثبتت السنوات أن موسى هلال كان ينظر إلى الدولة بعقلية “رجل الدولة”، لا بعقلية زعيم اللحظة. فهو يدرك أن الخلاف مع الحكومات أمر وارد، لكن إسقاط الوطن وتمزيق مؤسساته خيانة لا تُغتفر.
ولعل أكثر ما يمنح تلك المواقف قيمتها اليوم، أنها صدرت في زمن كان فيه كثيرون يلهثون خلف المكاسب الآنية، بينما اختار هو أن يضع “السيادة الوطنية” فوق كل إغراء، وأن يميز بوضوح بين المعارضة السياسية وبين التآمر على البلاد.
حسنًا.. تبقى مواقف موسى هلال شاهدًا على أن الوطنية الحقيقية لا تُشترى بالأموال، ولا تُبدَّل بالمناصب، ولا تُقايض بالمكاسب العابرة. فالقادة الحقيقيون هم أولئك الذين يتحولون، في لحظات الخطر، إلى جدار يحمي أوطانهم من الانهيار مهما اشتدت الضغوط وتعاظمت الإغراءات.
وفي عُرف الرجال الكبار، يبقى السودان وطنًا لا يُباع… ولا يُشترى.

