سيد خليفة.. صوت السودان الذي عبر بوابة النيل إلى العالم

أم درمان/ خالد الفكي
لم يكن الفنان الراحل سيد خليفة مجرد صوت أطرب الجماهير، بل كان سفيراً ثقافياً حمل ملامح السودان إلى العالم العربي وشرق أفريقيا، وجعل من الأغنية جسراً للتواصل بين الشعوب. واستعاد منتدى الرواد محطات من تجربته، مستعرضاً إسهاماته الفنية وعلاقته بوادي النيل.
في أمسية امتزج فيها التوثيق الفني بعبق الذاكرة، استعرض الأمين العام لمركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام، الشاعر مختار دفع الله، إسهامات سيد خليفة في نشر الأغنية السودانية وتعريف الجمهور العربي والأفريقي بخصوصيتها، مؤكداً أن تجربته تجاوزت حدود الأداء الغنائي لتصبح جزءاً من الحضور الثقافي السوداني خارج البلاد.

وقال دفع الله، خلال حديثه في منتدى الرواد الذي نظمه المركز بمقره، إن الحديث عن سيرة سيد خليفة ومسيرته الإبداعية يطول، بالنظر إلى ما قدمه من أعمال أسهمت في ترسيخ مكانة الأغنية السودانية في عدد من البلدان العربية والأفريقية.
وتوقف عند الأسماء الشعرية التي أسهمت في تشكيل وجدان الأغنية السودانية، وفي مقدمتها الشاعر إدريس محمد جماع، صاحب ديوان «لحظات باقية»، إلى جانب إسماعيل حسن، وهاشم صديق، والتجاني حاج موسى، والصادق إلياس، مشيراً إلى أن الفنانين عصام محمد نور وهشام درماس قدما بدورهما أعمالاً من أشعار عدد من هؤلاء المبدعين.

وفي سياق استعراضه لذاكرة الشعر الغنائي، دعا دفع الله إلى إعادة الاعتبار للشاعر صاوي عبد الكافي، الذي قال إنه لم يحظَ بما يستحقه من اهتمام إعلامي وتوثيق فني، رغم إسهاماته في إثراء الأغنية السودانية.
وأوضح أن صاوي لم يكن شاعراً فحسب، بل امتلك مواهب متعددة، من بينها الفن التشكيلي والخط العربي، وعمل في الكتابة اليدوية وتصميم اللافتات التجارية قبل انتشار استخدام الحاسوب.

وأشار إلى أن الفنان الراحل محمد وردي تغنى بعدد من قصائده، من بينها «من صحابك ومن قرايبك يا حبيبي بخاف عليك»، و«كله عاشق لو تغنى قلت يمكن شاف عينيك»، لافتاً إلى أن هذه الأعمال تمثل جانباً من إرث شعري يستحق مزيداً من البحث والتوثيق.
واستعاد دفع الله ملامح جيل شعراء الحقيبة الذي برز منذ عام 1918، وضم أسماء بارزة، من بينها إبراهيم العبادي، ومحمد أبو الدراري، وصالح عبد السيد «أبو صلاح»، وسيد وعبيد وعتيق، وعلي محمود التنقاري، إلى جانب عبد الرحمن الريح، الذي أشار إلى أنه ولد عام 1919، وكان من أصغر شعراء ذلك الجيل.
وأضاف أن صاوي عبد الكافي توفي في أواخر ستينيات القرن الماضي، ولذلك لم تتح له فرصة مشاهدته.
من جانبه، رأى المخرج التلفزيوني شكر الله خلف الله أن تجربة سيد خليفة لم تقتصر على حمل الأغنية السودانية إلى الخارج، بل عكست رؤية فنية وثقافية آمنت بوحدة وادي النيل، وجعلت من الفن مساحة للتلاقي بين الشعبين السوداني والمصري.

وقال خلف الله إنه تعاون مع سيد خليفة في أغنية واحدة خلال حياته، هي «زيكم»، لكنه اعتبر أن أغنية «يا وطني يا بلد أحبابي» تمثل محطة استثنائية في تجربته، لما تحمله من دلالات وطنية وإنسانية، مشيراً إلى أن كلماتها كتبها الشاعر المصري إبراهيم رجب، الذي عمل مديراً للبعثة التعليمية المصرية.
وأضاف أن الأغنية جسدت إحساس سيد خليفة العميق بوادي النيل، وعكست ارتباطه الثقافي والوجداني بمصر، إلى جانب دوره في تقديم الفنان المصري عبد الحليم شبانة، الذي عُرف لاحقاً باسم عبد الحليم حافظ.
واستشهد خلف الله بتسجيل محفوظ في أرشيف التلفزيون المصري «ماسبيرو»، قال إنه يوثق جانباً من حضور سيد خليفة ومكانته الفنية في الساحة العربية، مشيراً إلى أن تجربته أسهمت في بناء جسور التواصل الفني والثقافي بين السودان ومصر.

ووجّه المخرج التلفزيوني الشكر إلى منتصر سيد خليفة، تقديراً لإتاحته الفرصة لتقديم أغنية «يا وطني يا بلد أحبابي» في عمل مصور، بمشاركة الفنان عصام محمد نور، معرباً عن تقديره للمشاركين والحضور.
ولم تقتصر الأمسية على استعادة الشهادات والذكريات، بل استعادت الأغنية حضورها على خشبة المنتدى، من خلال تقديم مجموعة من الأعمال التي شكلت محطات بارزة في مسيرة سيد خليفة، بمشاركة الفنانين عصام محمد نور، وهشام درماس، وأمير حلفا، ومنتصر سيد خليفة.

وهكذا، لم يكن استحضار تجربة سيد خليفة مجرد احتفاء بفنان رحل، بل محاولة لقراءة إرث إبداعي ظل حاضراً في الذاكرة السودانية، وأكد أن الأغنية قادرة على عبور الحدود، وحفظ ملامح الهوية، وصناعة لغة مشتركة بين الشعوب.

