حوارات ومقالاتقضايا إفريقية

سعد محمد عبد الله يكتب: طائرُ الجُهَيْمِ والقرنُ الأفريقيُّ: ماذا نحن فاعلون؟

 

 

 

 

كتب/ سعد محمد عبدالله

 

عندما حلَّق طائرُ الجُهَيْمِ في سماءِ القرنِ الأفريقيِّ، بدا كأنَّ كثيرًا من النظريات الدبلوماسية قد سقطت من حسابات العقل السياسي في كابينة الحكم والإدارة، ولم يبقَ أمامنا سوى سؤالٍ واحد: ماذا نحن فاعلون؟ فالمشهد الإقليمي يتحرك فوق أرضٍ شديدة الهشاشة، تتداخل فيها الأزمات السياسية والأمنية والإقتصادية، وتتقاطع المصالح الوطنية مع الحسابات الإقليمية والدولية، وفي مثل هذه اللحظات الصعبة، تصبح القدرة على قراءة التحولات أهم من سرعة إطلاق المواقف؛ لأنَّ القرار المتخذ تحت ضغط الغضب قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها لاحقًا على الإطلاق، ولا أظن أنَّ الأصدقاء السياسيين والإعلاميين الفاعلين في فضاء القرن الأفريقي الواسع يملكون، حتى الآن، إجابةً قاطعة يمكن الركون إليها لتفسير المشهد أو التنبؤ بمآلاته؛ لذلك، فإنَّ المطلوب ليس المزيد من التصريحات المتبادلة، وإنما توسيع مساحة التفكير الهادئ، وإستدعاء الخبرات الدبلوماسية، وفتح قنوات الإتصال، قبل أن تتحول الضبابية السياسية، التي تكاد أن تحجب الأبصار عن رؤية الأزمة بحجمها الحقيقي، إلى واقع أمني جديد يصعب إحتواؤه؛ كما ينبغي إدراك أنَّ إستقرار دولة واحدة في هذه الجغرافيا ينعكس مباشرةً على أمن جيرانها ومصالح شعوبها ومستقبلها المشترك، وأنَّ حماية الأمن الإقليمي مسؤولية جماعية اليوم.

 

بينما تتصاعد المواجهات السياسية والعسكرية في السودان ومحيطه الإقليمي، لا ينبغي أن يغيب البحر الأحمر وما وراءه عن الحسابات الإستراتيجية التي تفرض وجودها الآن، باعتباره مجالًا حيويًا تتقاطع عنده أمن المنطقة ومصالحها الإقتصادية وحركة التجارة الدولية، والسؤال الأهم هنا هو: هل تستطيع الحكومات والهيئات الإقليمية إدارة الخلافات وفق قواعد القانون الدولي والتبادل الدبلوماسي، وإحترام الإلتزامات التي تفرضها الإتفاقيات والمواثيق ذات الصلة؟ فمبادئ إتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية تقوم على تنظيم العلاقات بين الدول، وحماية الوظائف الدبلوماسية، وإحترام القوانين وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بينما يؤكد الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب حق الشعوب في السلام والأمن والإستقرار والتنمية العادلة، وضرورة أن تحكم علاقات الدول مبادئ التضامن والصداقة والإحترام، ومن هنا، فإنَّ الإختبار الحقيقي للدبلوماسية الأفريقية وسط هذه الأزمات المتراكمة لا يكمن في البيانات وحدها، بل في قدرتها على منع التصعيد، وكبح الأصوات التي تؤجج النزاعات، والعمل على حماية قنوات الحوار، وتحويل الخلافات إلى مسارات تفاوضية قابلة للمعالجة، قبل أن تتسع دائرة المواجهة وتتجاوز حدودها الحالية، وإنَّ أي إخلال بهذه المبادئ يضاعف مخاطر سوء الفهم، ويقوض الثقة، ويجعل فرص التسوية السلمية أكثر تعقيدًا وكلفة على الجميع.

 

إنَّ أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن تميل بعض الأطراف إلى تفجير المشهد سياسيًا وعسكريًا، تحت وهم دعم الحروب في المنطقة، «كما حدث في السودان»، وخطة تقسيم الدول للسيطرة على موانئها ومواردها الإستراتيجية، أو إعادة رسم خريطة القرن الأفريقي بمنطق البقاء للأقوى؛ فذلك قد يقود إلى حروب واسعة لا يستطيع أحد تحديد حدودها أو توقع نتائجها، ومن السهل تبادل الإتهامات، أو إهانة الدبلوماسيين وطردهم، أو إعلان مواقف حادة، ثم جمع المصفقين حولها، لكن الصعب هو توقُّع المصير الذي قد يأتي من وراء قرارات تُتخذ في لحظة غضب أو تهور، وقد حذرنا مرارًا وتكرارًا من هشاشة الأوضاع في دول المنطقة، ومن الحاجة إلى إستشعار الخطر قبل وقوعه، وإجراء حوار شامل يعيد بناء الثقة ويمنح صوت السلام فرصة حقيقية، وفي هذا السياق، فإنَّ الحديث عن دبلوماسية أفريقية أكثر تأثيرًا، كما طرحه مركز كافراد في أجندته المتعلقة ببناء أفريقيا أكثر حضورًا على الساحة الدولية، ينبغي أن يتحول إلى ممارسة عملية واضحة تجعل الوقاية من النزاعات والتفاوض والتعاون أدوات أساسية لإدارة الأزمات؛ لأنَّ القوة لا تُقاس بقدرة طرف على إشعال الأزمة، بل بقدرته على إحتوائها ومنع إنتقالها إلى ساحات جديدة.

 

من المهم، في تقديري، التوقف عند الموقف الذي إتخذته حكومة السودان حيال الأزمات الإقليمية، والذي يمكن النظر إليه من زاوية السعي إلى تجنب توسيع دائرة التوتر، مع التأكيد على أنَّ تقييم المواقف السياسية يظل مرتبطًا بتطورات الأحداث ونتائجها المحتملة، والأهم الآن هو الإنتقال من مراقبة المشهد إلى طرح مبادرات عملية؛ ولذلك تبدو الحاجة قائمة إلى الدعوة لعقد قمتين طارئتين، متزامنتين أو منفصلتين، على مستوى منظمة الإيقاد والإتحاد الأفريقي، لبحث سبل فتح حوار موضوعي وعاجل حول المشكلات القائمة، وينبغي أن يستند هذا الحوار إلى إحترام وحدة الدول وسيادتها، وعدم إستخدام القوة لتسوية الخلافات، وتعزيز التعاون الإقليمي، وبناء ترتيبات أمنية وسياسية قابلة للتنفيذ؛ فالقرن الأفريقي لا يحتاج إلى سباق جديد نحو التصعيد، بل إلى نموذج مختلف يجعل الدبلوماسية أداة للتواصل والوقاية والسلام والتنمية، وإذا كان طائر الجُهَيْمِ قد حمل نذيرًا سياسيًا، فإنَّ مسؤولية الحكومات والنخب أن تجعل صوته جرس إنذار لا شرارة حرب؛ فالمصلحة العليا تقتضي أن تتقدم لغة العقل على الإستقطاب، وأن يكون السلام خيارًا سياسيًا دائمًا، لا هدنة مؤقتة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي