سعد محمد عبدالله يكتب: جرائم الحرب في السودان لا تسقط بالتقادم.. والعدالة آتية

كتب/ سعد محمد عبدالله
يمثل الملف الإنساني في السودان أحد أكثر الملفات تعقيدًا وإيلامًا، إذ يكشف حجمًا كبيرًا من المعاناة التي عاشها المدنيون في مناطق النزاع، وما خلفته الحرب من آثار إنسانية وإجتماعية عميقة، وقد توالت خلال الفترة الماضية تقارير وشهادات صادرة عن جهات رسمية ومنظمات حقوقية تتحدث عن إنتهاكات جسيمة شملت القتل والتهجير القسري والتعذيب والعنف الجنسي، وهي وقائع تستوجب التحقيق والمساءلة وفقًا للقانون السوداني والقانون الدولي الإنساني، وفي هذا السياق، جددت اللجنة الوطنية للتحقيق في الجرائم والإنتهاكات إتهامها لمليشيا الدعم السريع باستخدام الإغتصاب كسلاح حرب، مشيرة إلى تسجيل أكثر من 2200 بلاغ، مع إستمرار جهود التوثيق وجمع الإفادات والأدلة؛ كما أعلنت عضو اللجنة، روضة إدريس عبد القادر، عن تشكيل فرق متخصصة لتوثيق هذه الجرائم، إلى جانب لجان لإستقبال الشكاوى من المتضررين، ولا سيما القادمين من إقليم دارفور ومدينة الفاشر، وتعكس هذه الجهود أهمية بناء ملفات قانونية تستند إلى الأدلة الموثقة، بما يضمن عدم ضياع حقوق الضحايا، ويؤسس لمسار عدلي يحترم حقوق المواطن السوداني والمعايير الدولية لتحقيق العدالة، فالإنتهاكات الجسيمة التي تطال المدنيين لا ينبغي أن تبقى مجرد أرقام تُوضع في التقارير، بل يجب أن تتحول إلى قضايا قانونية تنظر فيها الجهات المختصة، بما يكفل إنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين عنها دون أي تردد أو تأخير، أياً كانت مواقعهم أو الجهات التي ينتمون إليها، لأن تحقيق العدالة يمثل ركيزة أساسية لإعادة بناء الثقة، وترسيخ قيم السلام، ومنع تكرار مثل هذه الإنتهاكات مستقبلاً.
في موازاة الجهود الوطنية، برزت خلال الأشهر الماضية تحركات قانونية وحقوقية على المستوى الإقليمي والدولي تؤكد أن الإنتهاكات المرتكبة في السودان أصبحت محل إهتمام متزايد من المؤسسات المعنية بالعدالة الدولية؛ فقد رفعت الحكومة السودانية، إلى جانب عدد من المنظمات الحقوقية والإنسانية، تقارير وملفات إلى الأمم المتحدة والإتحاد الإفريقي والإيقاد والمحكمة الجنائية الدولية، تضمنت معلومات وشهادات موثقة حول الإنتهاكات المنسوبة إلى مليشيا الدعم السريع الإرهابية؛ كما تداولت وسائل إعلام دولية خبرًا عن أن إئتلافًا من منظمات حقوقية وقانونية، بقيادة مركز راؤول والينبرغ لحقوق الإنسان، تقدم بمذكرة إلى المحكمة الجنائية الدولية إستنادًا إلى المادة (15) من نظام روما الأساسي، وقد طالب فيها بفتح تحقيق شامل بشأن مزاعم تتعلق بالتحريض أو المساهمة في إرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في السودان من قبل حكومات الإستعمار الداعمة والممولة للمتمردين، وفي السياق ذاته، تتزايد التساؤلات حول مسؤولية كل الأطراف التي يثبت دعمها أو تسهيلها للأعمال العسكرية المخالفة للقانون الدولي، سواء كانت أطرافًا داخلية أو خارجية، إذ إن قواعد القانون الدولي لا تقتصر على محاسبة المنفذين المباشرين للجرائم فحسب، وإنما تمتد إلى كل من يثبت تورطه بالمساندة أو التمويل أو التحريض وفقًا للإجراءات القضائية المختصة، وتؤكد هذه التطورات أن توثيق الجرائم، وحفظ الأدلة، والإستمرار في التعاون مع الآليات الدولية، يمثل مسارًا ضروريًا لضمان عدم إفلات أي مجرم من المساءلة، ولإيصال صوت الضحايا إلى المنابر القضائية المختصة، بما يعزز فرص تحقيق العدالة وإنصاف المتضررين وفق الأطر القانونية المعترف بها دوليًا.
في ظل إستمرار النزاع، تتزايد التحذيرات الصادرة عن المنظمات الحقوقية والإنسانية ومسؤولين إقليميين ودوليين من خطورة إتساع رقعة الأزمة الإنسانية، خاصة مع المخاوف المرتبطة باستهداف المدن ذات الكثافة السكانية العالية، وقد أشارت تقارير حقوقية إلى وقوع إنتهاكات خطيرة بحق المدنيين في عدد من المناطق، بينما دعت جهات دولية إلى إتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لحماية السكان وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق؛ كما عبّر عدد من المسؤولين الدوليين عن قلقهم من إحتمال وقوع مزيد من الإنتهاكات إذا إستمرت الهجمات الإرهابية ضد المدن المأهولة بالسكان، مؤكدين أن حماية المدنيين تمثل إلتزامًا قانونيًا وأخلاقيًا لا يجوز التهاون فيه أبدًا، وفي المقابل، تؤكد الحكومة السودانية أنها تعمل بجهد على إستعادة الأمن، وتوفير الخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم، مع المضي في إعادة تأهيل البنية التحتية التي دمرتها الحرب، ويظل نجاح هذه الجهود مرتبطًا بتكاتف الإرادة الوطنية وصمود الشعب والحكومة معًا، ودعم المجتمع الدولي للمبادرات الرامية إلى تثبيت أعمدة الإستقرار، وتعزيز سيادة القانون، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس العدالة والمواطنة دون فرز أو تمييز؛ كما أن إنهاء معاناة المدنيين يتطلب وقفًا دائمًا للعنف بشرط إبعاد مليشيا الدعم السريع عن المواقع السكنية، وإطلاق مسارات حقيقية للمصالحة الوطنية، إلى جانب توفير ضمانات قانونية تكفل عدم تكرار الإنتهاكات مستقبلاً؛ فالسودان يمتلك من الموارد والإمكانات ما يؤهله لتجاوز هذه المحنة، غير أن ذلك لن يتحقق إلا بإعلاء قيم العدالة، وإحترام حقوق الإنسان، وتغليب المصلحة الوطنية على أي إعتبارات أخرى، بما يفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من الأمن والإستقرار والتعافي والتنمية المستدامة.
إن مسار العدالة، مهما طال، يظل أحد أهم الضمانات لإغلاق صفحات النزاعات على أسس قانونية تحفظ حقوق الضحايا وتصون كرامة الإنسان، وقد شهدت تجارب دول عديدة أن الجرائم الجسيمة لا تُمحى بمرور الزمن، بل تبقى محل متابعة قانونية إلى أن تستكمل إجراءات التحقيق والمحاكمة وفقًا للمعايير الدولية والوطنية، وقد حدث ذلك في جنوب افريقيا وسيراليون وألمانيا وكمبوديا وغيرها من النماذج العالمية، وفي هذا الإطار، تواصل الحكومة السودانية تحركاتها الدبلوماسية مع المؤسسات الدولية، مؤكدة إلتزامها بالتعاون مع الآليات المعنية بحقوق الإنسان، والعمل على تنفيذ برامج إعادة الإعمار، وتأهيل البنية التحتية، وتهيئة البيئة المناسبة لعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم، وتمثل اللقاءات التي يجريها المسؤولون السودانيون مع الهيئات الدولية فرصة لعرض تطورات الأوضاع، وشرح الرؤية الحكومية لإدارة المرحلة الإنتقالية، وحشد الدعم الدولي لجهود السلام والإستقرار، وفي المقابل، فإن المجتمع الدولي مطالب بالإستمرار في توفير الدعم اللازم للمبادرات الرامية إلى حماية المدنيين، وتعزيز المساءلة، وتقديم المساعدة الإنسانية، بما يسهم في إنهاء معاناة ملايين السودانيين المعذبين، وتحقيق العدالة لا ينبغي أن يكون شعارًا سياسيًا يُرفع في المحافل ثم يترك حيث رُفع، إلي حين إشعار آخر، بل إلتزامًا قانونيًا وأخلاقيًا يضمن عدم إفلات أي شخص تثبت مسؤوليته عن إرتكاب الجرائم من المحاسبة أمام القضاء المختص، مع إحترام ضمانات المحاكمة العادلة وسيادة القانون؛ فالدول تُبنى بالعدل، والسلام الحقيقي لا يتحقق إلا عندما يشعر الضحايا بأن حقوقهم قد أُعيدت، وأن الحقيقة قد ظهرت، وأن القانون قد أخذ مجراه دون إنتقائية أو تمييز، وعندها فقط يمكن للسودان أن يطوي صفحات الحروب، وينطلق نحو مستقبل أكثر أمنًا وإستقرارًا، يقوم على أسس الحوار الموضوعي، والمصالحة الوطنية، وسيادة القانون، وإحترام الكرامة الإنسانية، وترسيخ قواعد دولة المؤسسات التي يتطلع إليها جميع السودانيين.

