المواصفات ومباحث المستهلك.. إعلان حرب على الغش وتحصين للأسواق بقوة القانون

همس البوادي
المواصفات ومباحث المستهلك.. إعلان حرب على الغش وتحصين للأسواق بقوة القانون
كتبت/ سعاد سلامة
الغش لا يعيش في الأسواق القوية، بل يجد بيئته الخصبة في مساحات التراخي، وضعف الرقابة، وغياب التنسيق بين الجهات المختصة.
لذلك، فإن أي خطوة تجمع بين المواصفة والقانون ليست مجرد إجراء إداري عابر، بل هي إعلان مواجهة حقيقية مع كل من يتاجر بصحة المواطنين ويعبث بحقوق المستهلك من أجل مكاسب غير مشروعة.
اللقاء الذي جمع الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس والإدارة العامة لمباحث التجارة والتموين وحماية المستهلك جاء في توقيت بالغ الأهمية، فالأسواق اليوم تحتاج إلى رقابة صارمة بقدر حاجتها إلى الوعي، وتحتاج إلى قرارات حاسمة بقدر حاجتها إلى التوجيه والإرشاد. وما بين المواصفة التي تحدد المعايير والقانون الذي يفرض الالتزام بها، تتشكل منظومة الحماية الحقيقية للمستهلك.
حديث الأستاذة رحبة سعيد عبد الله، المدير العام للهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، عكس فهماً عميقاً لحجم التحديات التي تواجه الأسواق، خاصة في ظل انتشار بعض الممارسات السالبة والأنشطة العشوائية التي تهدد صحة المواطنين، وتفتح أبواباً واسعة للغش والتدليس.
كما أن دعوتها إلى تفعيل الرقم الموحد (5960) وربطه بطوارئ الشرطة تمثل نقلة مهمة في إشراك المواطن نفسه في معركة الرقابة، باعتباره الشاهد الأول على كثير من المخالفات.
ومن جانبه، أكد اللواء شرطة سيف الدين محمد إدريس أن مباحث المستهلك ماضية في توسيع نطاق الحملات المشتركة وتعزيز الجهود الرقابية لمواجهة المخالفات في الأسواق والمنشآت، مشيداً بالدور الفني الكبير الذي تضطلع به الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس في دعم أعمال الضبط والرقابة.
وتبرز أهمية هذه الشراكة في أنها تجمع بين الخبرة الفنية للمواصفات والمقاييس وسلطة القانون التي تمثلها مباحث المستهلك، وهو تكامل من شأنه أن يرفع كفاءة الرقابة، ويعزز ثقة المواطنين في الأسواق، ويحد من جرائم الغش والاحتكار والتلاعب التي تستنزف حقوق المستهلك وتضر بالاقتصاد الوطني.
الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع أن الغش التجاري ليس مخالفة عادية، بل جريمة مكتملة الأركان تستهدف صحة المواطن وأمنه الاقتصادي. فكل سلعة فاسدة أو غير مطابقة للمواصفات قد تكون سبباً في مرض أو خسارة أو كارثة، وكل احتكار أو تلاعب بالأسعار هو اعتداء مباشر على قوت الأسر ومعاش الناس.
ومن هنا تبرز أهمية التكامل بين المواصفات ومباحث المستهلك، لأن المعركة أكبر من حملات موسمية أو جولات تفتيش محدودة، إنها معركة مستمرة تتطلب يقظة دائمة، وتنسيقاً محكماً، وإرادة لا تعرف التهاون. فالمخالفون يطورون أساليبهم باستمرار، ولا بد أن تتطور أدوات الرقابة والمحاسبة بالمقابل.
ما خرج به هذا اللقاء يبعث برسالة قوية مفادها أن هناك توجهاً جاداً لبناء جبهة رقابية موحدة تجمع بين المعرفة الفنية وسلطة التنفيذ، وأن حماية المستهلك أصبحت أولوية لا تقبل التأجيل. وعندما تتحد المواصفة مع سلطة القانون، فإن مساحة الغش تضيق، وتعلو هيبة الدولة، ويشعر المواطن بأن هناك من يحرس حقه ويحمي سلامته.
فاصلة
في اللقاء، جرى الاتفاق على تنفيذ حزمة من الإجراءات المشتركة داخل الأسواق، مع التركيز على التوعية، ورفع ثقافة المستهلك، وتعريف مقدمي الخدمات بالاشتراطات القياسية، بما يؤسس لرقابة أكثر فاعلية، ويخلق بيئة تجارية سليمة وعادلة.
فالأسواق المنضبطة ليست ترفاً، وإنما حق للمواطن وواجب على الدولة. وعندما تتوحد المواصفات ومباحث المستهلك في خندق واحد، تصبح الرسالة واضحة: لا مكان للغش، ولا حماية للمخالفين، وسيظل القانون حارساً لحقوق المستهلك وسلامة المجتمع.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا.

