حوارات ومقالات

الإيبولا.. معركة الوعي تسبق معركة الاحتواء

 

 

من حروفي

 

 

كتب/ خالد الفكي

 

 

 

لا تبدأ معركة الإيبولا داخل المختبرات أو غرف العناية المكثفة فحسب، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ من قدرة الدولة على اكتشاف الخطر مبكراً، وقدرة المجتمع على فهمه، وقدرة الإعلام على نقل الحقيقة دون تهويل أو تضليل. ومن هنا تكتسب ورشة وزارة الصحة الاتحادية ومنظمة الصحة العالمية لتنوير الإعلاميين حول الاستعداد للإيبولا أهمية تتجاوز حدود التدريب إلى بناء خط دفاع مجتمعي.

 

 

فالاستجابة الفعالة للأوبئة ليست مسؤولية المؤسسات الصحية وحدها. إنها منظومة متكاملة تتقاطع فيها قدرات الترصد والمختبرات والعاملين الصحيين مع الإعلام والقيادات المجتمعية والدينية والمواطنين. وكلما تأخر اكتشاف الحالة أو انتشرت معلومة خاطئة، ارتفعت كلفة الاستجابة واتسعت مساحة الخوف.

الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى المجتمع هي أن المعلومة الدقيقة أداة وقاية. فمعرفة طرق انتقال المرض وأعراضه وفترة حضانته ومتى يجب طلب الرعاية الصحية، إلى جانب الالتزام بإجراءات الوقاية ومكافحة العدوى، تقلل مخاطر الانتقال وتحد من الشائعات.

 

 

لكن الإعلام أمام مسؤولية أكثر حساسية: لا يكفي أن ينشر المعلومة، بل عليه أن يتحقق منها قبل النشر، وأن يصحح المعلومات المضللة دون إعادة إنتاجها بطريقة تمنحها انتشاراً إضافياً. وفي الأزمات الصحية، يصبح السبق الصحفي الحقيقي هو السبق إلى الحقيقة، لا السبق إلى الإثارة.

 

 

وتكشف الورشة، كذلك، أن الاستثمار في الاتصال بشأن المخاطر والمشاركة المجتمعية (RCCE) ينبغي أن يتحول إلى جزء ثابت من منظومة الاستعداد الوطني، لا نشاطاً مؤقتاً يرتبط بظهور وباء. فالمجتمع الذي يثق في مؤسساته الصحية، ويعرف أين يبلغ وكيف يتصرف، يمثل شريكاً أساسياً في اكتشاف الحالات واحتواء التفشي.

وتبرز هنا رسالة استراتيجية أخرى: الجاهزية تبدأ قبل ظهور الحالة الأولى. ولذلك فإن رفع كفاءة المختبرات، وتدريب الكوادر، وتطوير أنظمة الترصد، وتوحيد الرسائل الرسمية، وتوسيع الشراكة مع المجتمعات المحلية، ليست إجراءات تكميلية، بل استثمارات مباشرة في الأمن الصحي الوطني.

 

 

وفي السودان، حيث تتقاطع الأزمات الإنسانية والصحية والمعلوماتية، فإن بناء إعلام صحي مهني قادر على إدارة الخوف وتصحيح الشائعات ونقل الرسائل الوقائية قد يكون أحد أكثر خطوط الدفاع تأثيراً.

 

ففي مواجهة الإيبولا، قد تنقذ معلومة صحيحة حياة، وقد تتسبب شائعة واحدة في إرباك مجتمع بأكمله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي