أواصر الأخاء داخل ديوان الزكاة تصنع الثقة

كتب/ محمد عبدالله الشيخ
نصف رأي
تتجاوز علاقات التواصل بين العاملين بديوان الزكاة كل الأطر والحدود التقليدية للعمل، بساعات نهاره المحدودة أو الارتباط الذي ينتهي بالتقاعد والمعاش؛ فهي علاقات أخوة لها صيرورة واستدامة، تنفذ إلى ما هو أعمق في تجليات تلك الروابط، فتبدو أكثر رسوخاً وتجذراً.
وتأتي الأتراح والملمات اختباراً حقيقياً لصدق هذه الأخوة، إذ ليس من سمات العلاقة المهنية وحدها أن يظل من غادروا العمل وترجلوا إلى المعاش على تواصل حميم، بل أن تظل لديهم غيرة على المؤسسة وزملائهم وإخوانهم في الخدمة. فأي شيء غير الانتماء والأخوة الصادقة يمكن أن يدفع رجالاً تقدمت بهم السن إلى قطع مئات الأميال لأداء واجب تجاه زميل؟
هكذا يقف المجتمع رافعاً حاجب الدهشة، إكباراً وإجلالاً لهذا النموذج الفارع من الأخوة. ولم يكن عزاء الراحل محمد أحمد عبدالله عشة في كوستي الأول ولا الوحيد، ولن يكون الأخير، الذي تدافع إليه المعاشيون والعاملون بديوان الزكاة، فذرفوا الدموع وألقوا أطيب الكلمات في حق أخيهم. فقد سبق ذلك رحيل الأخ سليمان النور بقرية التبرات في النيل الأبيض، والشيخ محمد زين النقر، وغيرهما من الراحلين.
إذن، ليست المسألة صلة عمل فحسب، بل أواصر أخوة وواجب أخلاقي. وهو ما حمل الدكتور بلة الصادق وحرمه، والشيخ ممدوح، والأستاذ عبدالله خالد، والأستاذ عادل منوفلي، الذي غادر الزكاة منذ سنوات عديدة، لكنه ما زال على صلة بإخوانه بالقوة والتفاعل نفسيهما، وكأنه لا يزال على رأس العمل.
نعم، هذا هو المرئي والظاهر الذي يشاهده المجتمع. فكيف بهم إذا علموا طبيعة علاقات التواصل عبر الوسائط، وكيف يتابع العاملون بديوان الزكاة والمعاشيون أخبار بعضهم وأحوالهم، ويتبادلون التهاني والتبريكات والدعوات بمناسبات نجاح الأبناء في مختلف مراحل التعليم، والزيجات والمواليد؟ يضاف إلى ذلك قروبات متخصصة تُعنى بشؤون العمل، وتسهم، بما يسود فيها من نقاشات وتداولات، في تطوير العمل وانسياب القرارات.
وتتوافر لديوان الزكاة آلية أخرى تمثل إضافة مؤثرة، هي ما يُعرف بـ«خطاب الزكاة» (الدعوة والإعلام)، والمحور المعني بالعاملين، وما يضطلع به «محور الخطاب الداخلي» من برامج ومناشط تُسري روح الانتماء المؤسسي، وتجعل العامل أكثر تواؤماً مع مقتضيات وظيفته وأخلاقياتها.
إذن، هي آليات ووسائل وبرامج وأنشطة يطبقها ديوان الزكاة، كانت مخرجاتها هذا المظهر من التماسك بين مختلف عناصر العمل، وتشارك فيها المرأة بالقدر والنصيب نفسيهما إلى جانب زميلها الرجل.
ولنأتِ إلى أثر هذا النموذج المرئي من تلك العلاقات في نظرة المجتمع إلى الديوان والعاملين عليه، وفي تعزيز الثقة بهم والاطمئنان إلى ما استُودع لديهم من أمانة وما أُلقي على عاتقهم من مسؤولية واستحقاقها.
وقد أفصح عن ذلك وجهر به الأستاذ كمال، ممثل أسرة الراحل «عشة»، في حديثه أمام الحضور، عندما تحدث عن الأثر الذي أحدثته مشاركة الإخوة من أمانات الزكاة بشمال وشرق ووسط دارفور وغرب كردفان، رغم ما يواجهونه من هموم النزوح والتهجير ومسؤوليات كان يمكن أن تكون عذراً لهم وترفع عنهم الحرج.
ولم يكن ممثل أسرة المرحوم وحده، بل كذلك حديث سعادة الفريق أبوعبيدة، القيادي بالمقاومة الشعبية، وكل الموجودين داخل سرادق العزاء وخارجه، الذين سرّهم وأعجبهم تماسك الأواصر بين العاملين بالديوان.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا النموذج تتمثل في أن العاملين بديوان الزكاة لا ينظرون إلى تلك المشاركات والتواصل إلا باعتبارها من صميم واجب الأخوة؛ فلا امتنان في الأمر. وحتى الذين حالت ظروف معينة دون وصولهم إلى مكان المأتم، يحمل عنهم المشاركون الاعتذار.
إن الزكاة في السودان ليست تفرداً عالمياً في تطبيق الفريضة، أو في ولاية الدولة وسلطانها الذي يمكن نقله وتصديره إلى دول أخرى، لكن ما لا يمكن نقله هو تلك الروح والقيم والعلاقات الحميمة بعمقها ودفئها.
إنها علاقات أصبحت تشكل شخصية ديوان الزكاة في المجتمع، وتحتاج إلى المحافظة عليها وتشجيعها والحض عليها بين الأجيال، خاصة أن الديوان يمضي بوتيرة متسارعة في فقد أهل الخبرات والكفاءات المؤسسين بسبب التقاعد وبلوغ سن المعاش، وبقوائم كبيرة سنوياً.
ولذلك، فإن الأجدر بالأجيال الجديدة أن تعضّ بالنواجذ على تلك القيم والمبادئ في التواصل والأخوة، التي تكسبهم وتكسب الديوان تميزاً واحتراماً وثقة، وتجعل المؤسسة أكثر أهلية وأجدر بالاضطلاع بالمهام الجسام التي تتعاظم مع تطور حاجات المجتمع وإفرازات الحوادث والأزمات.
ولعل الحرب الحالية كانت إحدى أكبر الاختبارات، فقد أدار ديوان الزكاة الأزمة بنجاح وإجادة، واحتوى كثيراً من إفرازاتها، وأسهم في درء مخاطرها عن المجتمع، وكان في صدارة قائمة التصدي والحماية، وما زال يقف سنداً للقوات المسلحة والمواطنين على حد سواء.
هذا ما لدي، والرأي لكم.

