محمد هارون عمر يكتب: صراع المهدية مع محمود عيسى زايد الضبياني

وهج اليراع
كتب/ محمد هارون عمر
هو شيخ قبيلة الضبانية العربية الرفاعية، رجل كريم، سارت بذكره الركبان. كان له قدح يسع جوال ذرة، يحمله ستة أشخاص، ويُعد أكبر قدح طعام في السودان، وما برح بالمتحف نموذجًا للكرم الحاتمي.
تعاون محمود زايد مع الحكومة المصرية التركية، حتى منحته لقب «بك» بشرق السودان. وعند اندلاع الثورة المهدية عام 1881م، ذهب ود زايد وبايع المهدي بصدق، فعينه أميرًا على أهله.
وعندما آل الحكم إلى الخليفة، دعا قبائل السودان للهجرة إلى أم درمان للبيعة، لقياس مدى صلابتها وإيمانها بالمهدية واستعدادها للجهاد. وكان ود زايد عاملًا، فدعاه الخليفة للمثول في أم درمان، ومعه عبد الله أبو سن، والطاهر تاتاي، وعبد الله الطريفي، ومحمد أرباب.
حضر أولئك العمال طائعين مختارين، وجددوا البيعة، إلا محمود زايد، فقد عاند. فارتاب الخليفة في ثروته القارونية، وأرسل له رسالة في أواخر عام 1885م، جاء فيها:
«كنا سابقًا حررنا لك الأوامر بالحضور لمقابلتنا، ولا تخشى من شيء، فعليك أمان الله ورسوله ومهديه».
لكن الرسالة لم تحرك ود زايد قيد أنملة من موقفه المعاند، رغم رقتها وودها.
لجأ الخليفة إلى الذكاء السياسي بدلًا من مواجهة العصيان، فطلب منه الانضمام إلى عثمان دقنة، لتقليم أظافره إذا تعذر عليه وتعثر المجيء إلى أم درمان، فلم يستجب. فأردف الخليفة بخطاب آخر:
«سامحناك في التأخير ولا حرج عليكم… فينبغي بوصول جوابنا هذا عندك تحضر لطرفنا».
ثم وقع زايد في خطأ حين لم يُحسن تحصين مركز حلة أو سحنون الحدودي، وكان فيه غلال، مع ضعف الاستحكامات. وقد نبّه العامل محمد إبراهيم ضاوي ود زايد إلى ذلك، فلم يعبأ، وتجاهل الأمر. فهاجم الأحباش البلدة ونهبوها. ورغم ذلك، سامحه الخليفة ولم يعاتبه.
بدأ ود زايد صراعًا وخصامًا مع العاملين عبد الله الطريفي والنور فقرا، فشكاهما للخليفة، الذي وبخهما، وهو يدري جنوح ود زايد. وطلب الخليفة من الطريفي أن يراقب ود زايد سرًا، وكتب إليه:
«طيب نفسك معه، ولا تظهر له إلا ما يسره، ومع ذلك كن ملاحظًا عليه، ومتى ما صدر منه شيء مخالف فأفدنا به فورًا».
أبدى الخليفة مرونة كبيرة وصبرًا شديدًا حيال ود زايد. وعندما يئس من استقطابه بالصورة المرنة، أمر عبد الله الطريفي باعتقاله.
تحرك الطريفي ومعه العامل النور فقرا إلى مرابع الضبانية، ووصلوا منطقة معبر شرق نهر عطبرة، وكان ود زايد يعسكر على الضفة الأخرى استعدادًا للقتال.
لجأ الطريفي إلى الحيلة ليتم القبض على ود زايد دون إراقة دماء، فقال لمحمود زايد إنه مرسل من قبل الخليفة لمساعدته في الحفاظ على الحدود الشرقية من هجمات الأحباش، ووضع يده على المصحف، وفق ما أورده الدكتور محمد سعيد القدال في كتابه «المهدية والحبشة»، لتأكيد حسن النوايا.
فصدقه محمود زايد، وصرف أفراد قبيلته إلى مراعيها. وفي اليوم التالي ذهب ود زايد إلى معسكر الأنصار بدعوة من عبد الله الطريفي، وهناك تم القبض عليه مع مجموعة صغيرة من أهله.
ودارت رحى معركة طفيفة، قُتل فيها ستة من الأنصار وعدد من أفراد بطانته. وصوّر الشاعر الحردلو ذلك المشهد في بيت شعر شهير قال فيه:
«اكتب لي جواب يا صاحبي لا تنساني
ود زايد بقول ظاهر الأمان غشاني»
أمر الخليفة بأن يُسلّم ود زايد إلى عوض الكريم كافوت، ليقوم هذا بتسليمه إلى عثمان دقنة. وتم اعتقال ود زايد في يناير 1886م، وسلّمه كافوت إلى عثمان دقنة، الذي سجنه حتى سبتمبر 1887م، ثم أرسله إلى أم درمان.
وظل ود زايد في سجن الساير. ولم ييأس الخليفة من هدايته، فأرسل له رسالة، ملخصها أن السجن من أجل الهداية، وأن فيه خيرًا وقدرًا. بل تعاطف معه أكثر، فطلب منه أن يُحضر أسرته.
فسرّ ود زايد بتلك الأريحية، ليرتاح من نير المحبس القهري، واختار ولده محمدًا لإحضار الأسرة. فكتب الخليفة للعمال لتسهيل مهمة محمد، بمده بالدواب وكل مستلزمات الرحلة على جناح السرعة.
وقام عبد الله الطريفي والمعنيون بتقديم تسهيلات كبيرة للمّ شمل الأسرة، معززة مكرمة. فانجابت لوعة وحسرة ود زايد بحضور أسرته، وظل أمره كاعتقال تحفظي. «أي سجن هذا؟»
وذهب الخليفة أكثر من ذلك، فعين شقيقه عوض الكريم عاملًا على قبيلة الضبانية، ورفع عنهم جمع الزكاة عن طريق العامل، حيث ظلت القبيلة تحكم نفسها رغم سجن شيخها.
قال الدكتور محمد سعيد القدال في كتابه «المهدية والحبشة» إن الخليفة لم يكن يلجأ إلى العنف مع خصومه إلا مضطرًا ومدفوعًا دفعًا. ومن خلال تعامله مع ود زايد، كنموذج، تتجلى الكياسة واللطف والحكمة.
ثم أطلق سراح محمود عيسى زايد، وعاد إلى قبيلته مسرورًا.
مقتبس بتصرف من كتابي «رواد الثورة المهدية» (تحت الطبع).

