حوارات ومقالات

​لواء عشم الوطن: إحياء ذكرى الشهداء بتكريم الأبناء

 

 

​محمد عبد الله الشيخ

 

​نصف رأي

 

​

 

​منذ أن أطلقت مليشيا آل دقلو الإرهابية شرارة الحرب في مباغتةٍ للجيش السوداني، مستغلةً الظرف والوضع اللذين أفرزتهما حكومة “قحت” — وهي بسعيها لإضعاف القوات المسلحة ومناصبتها العداء طعناً في قوميتها ومهنيتها، داعيةً إلى هيكلتها تارةً وإصلاحها تارةً أخرى، حتى وصل بها الأمر إلى المطالبة بحلها وتفكيكها كلياً لتكون المليشيا هي الجيش البديل — فكان ذلك كافياً لإغراء قائد المليشيا “الجهلول” الذي ابتلع الطُّعم وأطلق شرارة الحرب، ومباغتة الجيش بما لم يكن يحسب له حساباً أو يعدّ له عدة.

​ولكن أرادت “قحت” والمليشيا والدول الداعمة شيئاً، وقدر الله وأراد شيئاً آخر؛ فقد فاجأهم الجيش بعقيدةٍ عسكرية قائمةٍ على التمترس والدفاع بثباتٍ وتكتيكٍ أفشل الخطة في مهد أيامها الأولى. لكن المليشيا لم تعِ ولم تفهم، فمضت تحشد وتعدّ وتغامر لهزيمة الجيش وهو يسترد عافيته شيئاً فشيئاً. فجاء نداء القائد العام باستنفار كل مواطن قادر على حمل السلاح والدفاع عن الأرض والعرض، فتدافع أبناء السودان من كل حدبٍ وصوب للاستنفار وبلغوا أقرب وحدة عسكرية، إلى أن أخذ الاستنفار شكلاً أكثر تنظيماً وأقوى أثراً في “معركة الكرامة”. وكلما زادت المليشيا من حشدها، تدافع أبناء الوطن طوعاً في صفوف القوات المسلحة، حتى بدأت فكرة المقاومة الشعبية بشكليها وتنظيمها الحالي كأكبر وأهم رقم في المعركة، وانتظمت المقاومة في كل البلاد.

​فبادر أبناء ولاية الجزيرة في أيام الوالي الهارب عميل المليشيا، وبدؤوا في تنظيم صفوفهم، لكن الوالي تماطل وأبطأ فكرة المقاومة الشعبية، غير أنها قامت بقوة الإرادة وتوفيق الله، وذهب الوالي إلى مزبلة التاريخ. وكانت محلية الحصاحيصا قد حزمت أمرها وأولت أمر المقاومة الشعبية لسعادة اللواء أبو عركي علي عبد الله، فبدأ الحراك في كل الوحدات الإدارية.

​وكانت وحدة “طابت” الإدارية في خضم الحدث، فتمخضت عن “لواء عشم الوطن”، فكان بحقٍّ “عشماً” اسماً على مسمى. أحس أبناء وحدة طابت الإدارية بحجم التحدي واستشعروا خطر الاستهداف، فتدافعوا إلى ميادين التدريب. وما إن اجتاحت المليشيا الغادرة أرض الجزيرة حتى كان لواء عشم الوطن — بقيادة الرائد محمد علي الكمن (ود الكمن) — في قلب المعركة، يذود عن الحياض ويحمي ويذاود عن المقدرات. كان شبابه ومقاتلوه وقيادته الإدارية على مستوى محلية الحصاحيصا ووحدة طابت الإدارية رجالاً على قدر التحدي وحجم المرحلة؛ فإدارة المقاومة الشعبية ممثلةً في اللواء أبو عركي رئيس المقاومة الشعبية، والسيد عبد السلام عبد الرحمن، والأستاذ معاوية بخيت، والقائد الميداني الشرس سعادة الرائد محمد علي الكمن، أداروا المعركة في كل مراحلها وجوانبها بكفاءة عالية.

​وكان لـ “عشم الوطن” صولات وجولات في ملاحم التحرير بـ “كباري طابت”، حيث استُشهد ابن الفريجاب طالب الهندسة دفع الله هاشم. ومضى عشم الوطن يقدم الشهداء والجرحى في كل ملحمة، يلحقون بإخوانهم من “ود البليلة” أهل السبق في الشهادة في بواكير حرب الكرامة (أحد عشر فارساً من أبناء ود البليلة حيث كانت شرارة المقاومة الشعبية). وتكريماً ووفاءً لهذا السبق، أوفى لواء عشم الوطن لأهل ود البليلة وأقام ليلةً احتفالية حشد لها كل رجال المقاومة الشعبية بالقرى.

​وكانت “الفريجاب” حاضرةً كعادتها، سباقةً ومتقدمةً برجالها الذين كانوا سهماً ورقماً فاعلاً في حرب الكرامة في جوانب الإسناد المدني والقتالي. وكشأنها في المبادرة والوفاء ورد الجميل، أقامت رابطة أبناء الفريجاب أول مبادرة على مستوى ولاية الجزيرة والبلاد بإقامة أكبر إفطار رمضاني حاشد تكريماً للقرى التي استضافت النازحين، وكرمت القوات المسلحة والأمن والمخابرات والمقاومة الشعبية على مستوى الولاية ومحلية المناقل والحصاحيصا ووحدة طابت، وكان لواء العشم حضوراً باذخاً في الحدث.

​والآن، بعد أن استقرت الأحوال وأنعم الله على البلاد بالأمن والاستقرار، لم يركن لواء العشم ولم يخلد إلى الراحة، بل ظل مرابطوه على الثغور عيوناً ساهرة على أمن المواطن، ولم يتخلَّ عشم الوطن عن الشهداء ولم ينسَ تضحياتهم؛ فبادر بتكريم أبناء شهداء معركة الكرامة، فكان حدثاً وحديثاً سارت به الركبان بدلالاته ومعانيه وقيم الوفاء التي يحملها.

​كان التكريم إحياءً لذكرى رجالٍ مهروا هذه الأرض وفدوها بأرواحهم ودمائهم الطاهرة الزكية، التي لولاها ما كان للجزيرة أن تُحرَّر أو تستقر وتفتح مدارسها وتُقام فيها امتحانات كل مراحل التعليم بأمن وأمان، وما كان لهذه اللحظة — لحظة الاحتفال بأبناء الشهداء الناجحين المتفوقين في الشهادة السودانية وخريجي الجامعات وتكريمهم — أن تكون لولا هؤلاء الشهداء؛ حيث جاء شعار التكريم ((سلاح وقلم)) معبراً عن تآزر العلم والسلاح لحماية الوطن.

​وكان احتفال التكريم من قبل “عشم الوطن” حدثاً مشهوداً، تداعت له وشاكت فيه قيادات المقاومة الشعبية بالفريجاب، يتقدمهم سعادة القيادي المعطاء رجل البذل والعطاء الأرباب عبد الله محمد عبد الله (أب كيعان) رئيس المقاومة الشعبية بالفريجاب، بمعيته حضورٌ مشرف وتمثيلٌ رفيع لكلٍّ من: محمد الطيب العريبي، وحسن عثمان، والتيمان، وعثمان الطيب. وتشرفت الفريجاب بتكريم ابنها وابن الشهيد المقدم أمن عثمان دفع الله أحمد الشيخ؛ فكان تكريم الابن بدر عثمان — ابن الشهيد — تكريماً للفريجاب قاطبة، وإحياءً لذكرى كل شهدائها الذين حضرت سيرتهم كما حضرت من قبل في محافل وفاعليات كثيرة أقامتها وأحيت ذكراهم رابطة الفريجاب.

​وتبقى تحية الوفاء لأهل العطاء في “عشم الوطن” باستمرار أدوارهم ومواصلة مشاويرهم على صعيد إعمار الحياة المدنية وتطبيعيها، وحراسة أمن المواطن، وحماية مقدرات البلاد.

​هذا ما لدي، والرأي لكم.

​

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي