كل النجوم.. حين تصبح “الريدة” وطناً للسلام

كتب/ السمؤل محمد ابراهيم
بعض الأغنيات تسمع بالأذن، وبعضها يسمع بالقلب، وهناك أغنيات نادرة لا تكتفي بأن تمر عبر مسامعنا، وإنما تعبر إلى منطقة أكثر عمقا؛ إلى ذلك المكان الخفي في الروح الذي تختزن فيه ذاكرتنا أجمل ما مر بنا من حب، وأصدق ما راودنا من أحلام، وأكثر ما تمنيناه من سلام. من هناك، من تلك المنطقة التي لا تصل إليها الأغنية العابرة، تطل “فرحانة بيك كل النجوم”.
ليست المسألة هنا مجرد كلمات كتبها شاعر، أو لحن صاغه موسيقار، أو صوت أداها فنان. نحن أمام لقاء استثنائي بين ثلاثة إحساسات : قلم مدني النخلي، وموسيقى يوسف الموصلي، وصوت علي السقيد؛ لقاء استطاع أن يجعل من الحب لغة، ومن الحنين ذاكرة، ومن السلام أمنية معلقة بين الأرض والسماء، ولعل أجمل ما في هذه الأغنية أنها لا تتحدث عن السلام كما تفعل الخطب، ولا تدعو إلى المحبة كما تفعل الشعارات؛ إنها تغنيهما، وهنا تكمن دهشتها، فمنذ اللحظة الأولى التي يطل فيها صوت علي السقيد، نشعر أن الأغنية لا تريد أن تخبرنا بحكاية حب فحسب، وإنما تريد أن تقنعنا بأن العالم نفسه يمكن أن يكون أكثر رحمة إذا بقي في قلوبنا متسع للريدة.
وحين نتوقف عند تجربة علي السقيد، فإننا لا نقف أمام فنان أضاف اسمه إلى سجل الغناء السوداني فحسب، بل أمام تجربة فنية تشكلت لها ملامحها الخاصة، واستطاعت أن تنحت لنفسها موضعا في الذاكرة والوجدان. صوت متمكن، وأداء يحمل شخصيته ودفأه، وعلاقة آسرة بالعود، فضلا عن قدرة واعية على أن يتعامل مع الأغنية بوصفها كيانا متكاملا، تتعانق فيه الكلمة واللحن والصوت حتى يصبح كل منها امتدادا للآخر. ومنذ ظهوره الأول على خشبة المسرح القومي بأم درمان عام 1980، ظل علي السقيد حاضرا في المشهد الغنائي، محتفظا بقدرته على التجدد وإنتاج أعمال تحمل في كل مرة شيئا جديدا يريد أن يقوله. وكأن الفن عنده ليس محطة يبلغها الفنان ثم يستريح، بل درب طويل، كلما ظن أنه بلغ منتهاه، اكتشف في داخله معنى آخر يستحق أن يغنى. ولعل في انتمائه إلى ودمدني ما يفسر شيئا من هذه الروح؛ فمدني، المدينة التي عرفت منذ زمن بعيد بخصوبتها الثقافية، وبما أنجبته من مبدعين وفنانين وأهل معرفة، لم تكن بالنسبة إليه مجرد مكان للولادة، بل بيئة تليق بفنان حمل في صوته شيئا من نهرها، وفي إحساسه شيئا من طينها، وفي إبداعه شيئا من تلك المدينة التي عرفت كيف تجعل من الجمال والإبداع جزءا من ملامحها.
وفي «كل النجوم» جاء هذا المعنى واضحا، دافئا، ومضيئا. حيث كتب مدني النخلي الكلمات بأنامل شاعر يعرف كيف يجعل العاطفة صورة، وكيف يجعل الصورة حياة. ثم جاء يوسف الموصلي، أحد القامات الموسيقية السودانية، ليضع الكلمات في فضاء لحني يليق برقتها، ويمنحها أجنحة تستطيع بها أن تحلق بعيدا عن حدود النص، ثم جاء علي السقيد بصوته الذي لا يغني الكلمات فقط، وإنما يسكنها، صوت فيه شيء من ندى الصباح؛ فإذا بالكلمات حين تمر عبر حنجرته تتحول إلى دموع فرح تترقرق، وإلى ابتسامات حنين تتدفق، وإلى إحساس لا يحتاج إلى شرح او تفسير.
“فرحانة بيك كل النجوم، لا نام بريقا ولا انطفى،
ما الريدة يا أم قلب ندي، زاد القلوب المرهفة،
وإن شاء الله طول ما حبي ليك، لا يطل حزن لا يكون جف”.
يا لها من بداية! لا يبدأ الشاعر من الأرض، وإنما يبدأ من السماء. النجوم فرحانة. وكأن الحب حين يدخل القلب لا يبقى شأنا خاصا بين اثنين، وإنما يمتد أثره حتى يبلغ السماء، ثم تأتي كلمة “الريدة”، وهي ليست في الوجدان السوداني مجرد مرادف للحب؛ إنها أكثر حميمية، وأكثر قربا من نبض الحياة اليومية. إنها الحب حين يتجرد من الزخرفة، ويصبح شعورا صافيا يعرفه القلب قبل أن يشرحه اللسان. يجعلها الشاعر “زاد للقلوب المرهفة”. وهذه العبارة وحدها تكاد تكون مفتاح الأغنية كلها. فالقلوب المرهفة لا تعيش بالكراهية. ولا تتغذى على الخصام. ولا تستطيع أن تزهر في أرض يسقيها الجفاء. إنها تحتاج إلى المحبة كما تحتاج الأرض إلى الماء. ومن هنا يمكن أن نقرأ “الريدة” في الأغنية بوصفها المعنى الأول للسلام؛ فالسلام، قبل أن يكون اتفاقًا أو موقفًا أو شعارًا، يبدأ من قلب لا يريد أن يؤذي قلبًا آخر.
ولذلك، حين يقول الشاعر: “وإن شاء الله طول ما حبي ليك لا يطل حزن لا يكون جفا”، فإنه لا يقدم وعدا غروريا بأن الحياة ستخلو من الألم، وإنما يرفع دعاء رقيقا إلى السماء. و”إن شاء الله”المتكررة في الأغنية ليست مجرد عبارة عابرة؛ إنها أشبه بجرس روحي يذكرنا بأن الإنسان، مهما أحب ومهما حلم، يظل محتاجا إلى رحمة الله كي يدوم ما يحب.
“شفتيني كيف أنا ببقى بيك، سيد الفرح والريد براى
تشرق شموس زمن الهنا، ويرحل جفاف عمري وصباي
وإن شاء الله طول ما عمري ليك، ما تنجرح عزة هواي”
هنا تتحول المحبة إلى شمس. والشاعر الذي كان يتحدث عن النجوم في البداية، يستدعي الشمس الآن. كأن السماء كلها تتآمر لصالح الحب : نجوم تفرح، وشموس تشرق، وحزن يتراجع، وجفاف يرحل. لكن أجمل ما في الصورة هو قوله : “يرحل جفاف عمري وصباي”. الجفاف هنا ليس عطشا للماء، وإنما عطش الروح. فقد يملك الإنسان كل شيء، ومع ذلك يكون داخله أرضا عطشى. وقد يأتي الحب، فيكون كالمطر الأول الذي يعيد للأرض رائحتها، وللقلب قدرته على الفرح. وما أرق أن يصبح الإنسان، بفضل من يحب، “سيد للفرح”. ثم تصل الأغنية إلى واحدة من أكثر مناطقها شاعرية :
“بحلم معاك… إنو الحزن غيمة وخلاص رحلت بعيد
وإنو اللي باقي من الزمن ومن عمري كلو بعيشو عيد
إن شاء الله طول ما حبي ليك ما نعيش زمن قاسي وعنيد”
هنا لا يقول الشاعر : لن يأتي الحزن. بل يقول شيئا أكثر إنسانية : أحلم أن يرحل. وهذا فارق كبير. فالإنسان الواقعي يعرف أن الحزن جزء من الحياة، لكنه لا يقبل أن يتحول إلى إقامة دائمة في القلب. ولهذا يجعله الشاعر غيمة. والغيمة مهما ثقلت، لا بد أن تمضي. وما أجمل أن يضع شاعر عمره كله في كفة، ويضع العيد في الكفة الأخرى. “اللي باقي من الزمن ومن عمري كلو بعيشو عيد” ليست هذه رغبة في الفرح فقط، وإنما مقاومة شعرية لفكرة أن القسوة قدر محتوم. إنها أمنية إنسان يريد أن ينتصر على الزمن بالحب. ثم تأتي الخاتمة، وكأن الأغنية بعد كل ذلك الحلم تفتح نافذة على الصباح :
“جيتي ومعاك جاني الصباح، عم الشروق حزن الحروف
يا طيبة زي دفقة طمي، بالخير غشت جدب الجروف
إن شاء الله طول ما عمري ليك، ما نلاقي يوم قسوة ظروف”
“جاني الصباح” يا لهذا التعبير، لم يقل : جاء الصباح. قال : “جاني” أي أن الصباح أصبح شيئا شخصيا، شيئا جاء إليه، لا مجرد وقت مر على العالم. وهكذا يصبح الحبيب هو الصباح، ويصبح حضوره شروقا، ويصبح الحب قوة قادرة على أن تمحو عن الحروف حزنها.
ثم تأتي الصورة السودانية الأصيلة : “دفقة طمي” هنا لا يعود الحب مجرد عاطفة؛ يصبح خصوبة. فالطمي الذي يأتي مع النيل يحمل في الذاكرة السودانية معنى الخير، والنماء، وعودة الأرض إلى قدرتها على العطاء. وكأن الشاعر يقول إن الحب ليس وردة توضع على طاولة؛ الحب ماء وطمي وأرض قابلة للحياة. إنه الشيء الذي يأتي إلى الجفاف، فلا يكتفي بأن يسقيه، بل يعيد إليه خصوبته.
ولعل هذه هي المنطقة الأجمل في “كل النجوم” أنها تبدأ من امرأة يحبها رجل، لكنها لا تنتهي عندهما. تبدأ من “الريدة”، ثم تمضي إلى الفرح، ومن الفرح إلى الأمل، ومن الأمل إلى السلام، ومن السلام إلى الإنسان. وهنا يصبح العمل أكبر من قصة حب. إنه سؤال إنساني قديم يتجدد في كل زمن : كيف يمكن للإنسان أن يعيش دون أن يأكل الكراهية قلبه؟ وتأتي الأغنية بإجابتها الهادئة : بالمحبة. لا تحتاج إلى خطاب طويل. يكفي أن يكون في القلب متسع لــ”الريدة”. فالحروب تبدأ حين يصبح الآخر عدوا، والسلام يبدأ حين نستعيد قدرتنا على رؤية الآخر إنسانا. والجفاء يبدأ حين تغلق القلوب أبوابها، والمحبة تبدأ حين يجرؤ القلب على أن يفتح نافذته من جديد.
لهذا تبدو «كل النجوم» اليوم أكثر من أغنية جميلة. إنها قصيدة غنائية تمشي على قدمين من شعر مدني النخلي، وجناحين من لحن يوسف الموصلي، وروح من صوت علي السقيد. ثلاثة فنانين لم يجتمعوا هنا لصناعة أغنية تسمع وتنتهي، وإنما اجتمعوا، دون أن يعلنوا ذلك، لصناعة مساحة صغيرة يستطيع الإنسان أن يختبئ فيها من قسوة العالم. مساحة فيها نجوم براقة لا تنطفئ، وشمس تشرق، وحزن يتحول إلى غيمة، وأرض يحييها الطمي، وقلب لا يزال يؤمن بأن الحب قادر على أن ينقذ ما أفسدته القسوة. وربما لهذا السبب، حين تنتهي الأغنية، لا نشعر أنها انتهت. يبقى شيء منها معلقا في الروح. وتبقى “إن شاء الله” كدعاء. ويبقى “الحب” كرجاء. وتبقى “الريدة” كآخر ما يمكن أن يتشبث به قلب أنهكته الحياة. ثم نرفع رؤوسنا إلى السماء، فنرى النجوم… ونتخيلها كما رآها مدني النخلي : فرحانة. لا نام بريقها، ولا انطفأ. فما دام في الأرض قلب يعرف المحبة، فلا بد أن تبقى في السماء نجمة واحدة على الأقل… تغني للسلام.

