في ذكرى جهاز المناعة الثوري المكنّى بأكتوبر

كتب/ مجدي عبد القيوم (كنب)
للشاعر الفخيم الأستاذ محيي الدين الفاتح وصف بليغ لأكتوبر، إذ يصفه بأنه جهاز المناعة الثوري الذي يبدأ عمله تلقائياً في جسد شعبنا كلما لاح في الأفق مستبد، أو بدأت ملامح حقبة دكتاتورية في التشكل، ولعل ذلك ما عبّر عنه صاحب الملحمة:
لسه بنقسم يا أكتوبر
لما يطل في فجرنا
ظالم
نحمي شعار الثورة
نقاوم
تناسلت السنوات وتكاثرت على أكتوبر، حتى بات وكأنه قد شاخ، ولم يعد قادراً على حماية الجسد الذي أرهقه الهزال. فالزمان لم يعد ذاك الوضيء، ولا الأهازيج التي كانت تُغنّى في حضرة أكتوبر هي ذاتها، لا من حيث النصوص ولا الفنانون رفيعو المقام، كالفرعون النوبي الذي يمتع نفسه والمستمع بالدهشة، ويجعل الأفراح تتفتح في دواخلك، وهو يجلس في حضرة جلال الوطن، ولا ذاك الإمبراطور صاحب الملحمة، وهو يعبر بك بزورق الألحان بين شواطئ المتعة، سابحاً في بحر العيون السود، كما يعبر بك بحر الجماهير المتلاطم، وهي في طريق الجامعة تنشد النور والشمس النايرة.
يا لذياك الزمان، حين كانت الصحافة السياسية تزدان بالقلم الخالد منصور، وآمال عباس، و«خاتم المفكرين» صاحب «أما الزبد فيذهب جفاء»، وكذلك «آخر الأنبياء»؛ ملك التحليل الذي تغزّل في عشق اتساقه ود محمد خير، فكتب «حبيت عشانك كندا»، مثلما أحب المبدع الحلنقي كسلا التي أشرقت بها شمس وجد صنوِه، فجادت قريحته بقوله:
نضّر الله وجه ذاك الساقي
إنه بالرحيق حلّ وثاقي
ائتني بالصبوح يا بهجة الروح
إن كان بالكأس باقي
يا لذياك الزمان!
عاد أكتوبر غريباً، ووجد أن الأقلام تُعبّأ بماء الصرف الصحي، وباتت اللغة في زمان الانحطاط والعهر السياسي غثّة مبتذلة متبرجة، تعلن عن نفسها بمن يشتري قلماً بلا ثمن. وعلى قول الشاعر، أصبحت لغةً خادشةً للحياء؛ فما من قلم يجري على الورق بأناقة وتهذيب، دعك عن قلم يصف غيداً صرعى، أو قوارير بِتْنَ في إطراق.
لم يجد أكتوبر في استقباله من يصدح بالهتاف مع الشريف ود الشريف، مرحباً:
أكتوبر الممهور
بالدم، صباح الخير
أهلاً مساء النور
عاد ليجد أن لواء الثورة يرفعه وكلاء الاستعمار، ويستخدمونه قناعاً يخفون به حقيقة وجوههم ويدارون به عوراتهم، وهم يقدمون فروض الولاء والطاعة لأمراء البترودولار، وينادون بالديمقراطية وحكم الشعب من داخل قاعات قصور الملوك الذين يتوارثون الحكم أباً عن جد، في مفارقة تجعل المرء يحتار حيرة مفتّي الأثر عند حافة النهر، على قول المناضل العتيد الذي لم يجد رصفاءه الذين قطعوا معه الوعد، فكتب على علبة البرنجي: «حضرنا ولم نجدكم».
عاد أكتوبر حزيناً مثقلاً بالجراح، إذ لم يجد في استقباله الثوار الذين كانت تحتشد بهم مسامات أرصفة المدن وأزقة الحواري، ولا حتى أناشيدهم التي كانوا يفاخرون بها:
وطني، انحنا سيوف
أمجادك
نحن مواكب تفدي
ترابك
فقد تمت استباحة التراب، بل وحتى العرض.
عاد أكتوبر، وكان الغياب سيد الموقف، بعد أن ضلّ حتى أصحاب الفكر الثوري الطريق، على الرغم من أن من يصفونهم بطلائع الاستعمار ووكلائه يعيشون بين ظهرانيهم، بل إن بعضهم كان في طليعة من يحملون المباخر في زفة الترحيب بالاستعمار، بل في مقدمة من ينادونه قائلين: تعال لتخليصنا من فاشية زمرة الإسلاميين الذين تسيدوا الساحة، ونهبوا مقدرات البلاد، وكتموا أنفاسنا، ضاربين بكل ما نعرفه عن جيوش المرتزقة الذين شاركوا في غزو البلاد عرض الحائط، ومتنكرين لكل ما يعرفونه عن لصوص العالم، وحروب الموارد، وإخضاع الشعوب، ورأس المال المعولم، والشركات العابرة للقارات. بل إنهم يغضون الطرف حتى عن التقارير التي أعدتها المنظمات بشأن مسارات الطائرات التي تنقل العتاد الحربي والمرتزقة من مطارات الدول الراعية للمليشيا، لتهبط في مطارات الدول المتواطئة في الحرب على بلادهم.
فعند هؤلاء صار حتى خيال المآتة في الحقول إسلامياً، وكل الهواليق ملتحية، وحتى أم بعلو أصبحت ضمن زمرة الكيزان. وليخسأ العلم، وليذهب المنهج إلى الجحيم؛ فالأهم هو صرف الأنظار عن الأسباب الحقيقية للحرب، بمزاعم قطع الطريق على الثورة والحكم المدني.
لم يخطر ببال أكتوبر أن الثوريين هم من يتبنون البروباغندا للترويج لأكذوبة أن دول الاستكبار تحاول عبثاً تسمية الغزو الأجنبي حرباً عبثية، في سياق الصراع على السلطة والثروة بين أطراف النظام، لا تعني المواطن في شيء. ويا لسخرية الأقدار التي تجعل مواطناً يتعرض لنهب مدخراته، واغتيال أبنائه بدم بارد أمام ناظريه، وهتك عرضه، لا شأن له بالحرب!
عاد أكتوبر وهو فاغر فاه دهشة، يتفرس في الملامح والقسمات، باحثاً عن وجوه مألوفة يعرفها جيداً، وما درى أن الملامح لم تعد كما كانت بفعل الزمن، الذي لم تجد معه محاولات العطار نفعاً. وتماماً كما يمسخ الفسخ والجلخ بشرة الباحثات عن لون لا يملكن له جينات وراثية، لم يعد اللون أسمر، والعيون عسلية، والشعر قرقدياً، كما كانت تقول الوثائق آنذاك؛ فقد استحال، بفعل أصابع محترفة، إلى لون باهت، ولم تعد العيون عسلية، ولا الشعر قرقدياً، تُنظم فيه الأغاني:
الشعير القرقد
بالدهان ما برقد
فقد طغى الاستلاب الثقافي، وصار الشعر مجدولاً في مسارات، كأنه يعبر عن توهان صاحبه في مفترق عدة طرق.
عاد أكتوبر ليجد أن سمات الشخصية الثورية أضحت منزوعة الدسم، ولا عزاء للنقاء الثوري في زمان دماء السودانيين المسفوحة على أرصفة المدن والقرى بفعل جرائم تتار العصر، ولا بواكي للسودانيات وهن يقاسين وطأة الاغتصاب. فلم يعد هناك فريع بانٍ بسوح نديان، ولا فريع ياسمين متكئ في رماله، بل، ويا للوجع، فروع تحولت إلى مشانق لهن، وليس ممن يتقافز هاتفا: «أفو، أنا أخوك يا فاطنة»، أو جديراً بأن تتغنى به شاعرة:
يسلم لي خال فاطنة
ليهن بلالي البدرج
العاطلة
لم يجد أكتوبر من أصحاب البصيرة النافذة والنظر الثاقب من يمكن أن يغنوا له:
شدوا ليك في السبيب
كشفن ليك أمات
وضيب
فليس من فارس «مأمون علي بنوت فريقه»، جدير بشبال من بنات الخدور، ولا من هو جدير بالوصف:
يا الخاتي ظنك
ما بخيب
يلفي الشمس قبل تغيب
تغني ليك أم هانئ
يشهدوا أهل المعاني
نضيفاً خاتي ريحة الشاني
فقد أصابت جرثومة التلوث جلّ من يتصدرون المشهد.
عاد أكتوبر ووجد أن من كانوا يدّعون السير على خطى لومومبا والمعلم نايريري، أضحوا لا يستحون من توثيق تحالفهم مع المليشيا القبلية، بعد أن تنكروا للشعارات البراقة التي تتحدث عن الثورة والتحرر. ويا لبؤسه من تحرر! ويا لحزن السودانيين على الدكتور المغدور، ناصع السيرة، الذي كان داعية للوحدة ورمزاً للإخاء وملهماً للسودانيين بكافة أعراقهم. المجد له في الأعالي، ولروحه السلام.
عاد أكتوبر ووجد هذه القوى البائسة تتساءل عن أسباب إحجام الجماهير عن تلبية نداءاتها، وعزوفها عن الاحتشاد حولها، ولم تتفطن إلى أن الجماهير لبّت نداء الواجب واحتشدت في ساحات الوغى، تذود عن بلادها في حربها الوجودية التي تستهدف كيانها، غير عابئة بمن يحكم وكيف يحكم. فهي تدرك جيداً أن الحصة وطن، وتفرّق بين الوطن والسلطة، وتعرف متى تلتفت لاقتلاع سلطة، ولها في ذلك تجارب ثرّة وتاريخ تليد.
هذه الجماهير لا تأبه لقوى تعيش عزلتها المجيدة، وتجتر خطاباً صدئاً متآكلاً من دار الوثائق، وقطعاً لن تستسلم في مواجهة الغزاة، ولا أمام مشروعهم الذي بشّر به يوماً كبيرهم، قائلاً: «إني أرى ضوءاً في نهاية النفق، وإننا سنعبر»، ثم غادر بعد أن أغلق عليها مدخل النفق وفتح باب الجحيم.
لا مجال لإعادة تدوير النفايات؛ فالبحث عن السلام لا يعني الاستسلام، والتسوية التي تعيد إنتاج أدوات الحرب لا مكان لها عند الشعب السوداني.
شعب هذه البلاد لن يثنيه الابتزاز السياسي الممنهج في طقوس حلبة الردح، بعيداً عن الحجة والمنطق، ولا المتأمركون الجدد، عن الذود عن حياضه، مهما كانت الكلفة. وحتماً هو قادر على استرداد عافية أكتوبر، وإن طال المسير؛ فأكتوبر فكرة.
مرحباً بأكتوبر!
هيا:
ضمد جراح الحب والخاطر المكسور.

