حوارات ومقالاتشؤون دولية

سعد محمد عبدالله يكتب: قراءة لتصريحات القائد عقار حول مسار العلاقات السودانية الأوروبية

 

 

كتب/ سعد محمد عبدالله

 

تُعدّ العلاقات السودانية الأوروبية من بين العلاقات الممتدة تاريخيًا، إذ تعود جذورها السياسية والأمنية والإقتصادية إلى القرن التاسع عشر، وفق ما وثقته بعض المصادر التاريخية، وخلال العقود الماضية، مرت هذه العلاقات بمراحل متعددة إتسمت أحيانًا بالحوار والتعاون والتفاهم، وأحيانًا أخرى بالتوتر والجمود والقطيعة، وقد شهدت نهايات القرن العشرين تراجعًا ملحوظًا في مستوى العلاقات بين الجانبين، وصل إلى مرحلة بعيدة من الفتور والتباعد، عندما فرض الإتحاد الأوروبي قيودًا سياسية وعلّق عددًا من برامج الدعم التنموي بسبب ملفات تتعلق بحقوق الإنسان والنزاعات الداخلية المستعرة آنذاك، ومع إندلاع الحرب الحالية في السودان، إزداد تعقيد المشهد العام بصورة كبيرة، وأصبحت العلاقات السودانية الأوروبية محكومة بتداعيات الصراع الجاري وتباين الرؤى حول أسبابه ومسارات معالجته، وفي هذا السياق المتعرج، حرصت الحكومة السودانية على مخاطبة الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية عبر مذكرات وتقارير رسمية تناولت الإنتهاكات والتهديدات التي تستهدف الدولة السودانية وسيادتها وإستقرار شعبها.

 

من بين القضايا التي طرحتها الحكومة السودانية ما ورد في المذكرة المقدمة إلى مجلس الأمن الدولي بشأن أوضاع المحتجزين لدى مليشيا الدعم السريع في دارفور؛ فقد كشف مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس، معلومات دقيقة تتعلق بأعداد وأوضاع المدنيين والعسكريين المحتجزين في عدد من السجون الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع، مشيرًا إلى أن التقارير الرسمية تتحدث عن إنتهاكات خطيرة تشمل الإحتجاز غير القانوني والتعذيب والقتل خارج نطاق القضاء والتجويع الممنهج، إلى جانب مزاعم تتعلق بالإتجار بالأعضاء البشرية، وتمثل هذه المعلومات جانبًا من السردية التي تسعى الحكومة السودانية إلى تقديمها للمجتمع الدولي من أجل توضيح طبيعة الصراع القائم وتداعياته الإنسانية والأمنية؛ كما تعكس هذه الخطوة حرص الدولة على حشد موقف دولي أكثر تجاوبًا وفاعلية تجاه ما تعتبره إنتهاكات جسيمة تستوجب الإدانة والتحرك العاجل، وتقديم الدعم اللازم لمؤسساتها الوطنية بغية حماية المدنيين والأسرى والمحتجزين.

 

في هذا الإطار جاءت تصريحات القائد مالك عقار إير، نائب رئيس مجلس السيادة الإنتقالي، خلال لقائه وفدًا رفيعًا من سفراء الإتحاد الأوروبي بحضور د.كامل إدريس رئيس الوزراء وعدد من المسؤولين الحكوميين، وقد سعى إلى تقديم قراءة مختلفة لطبيعة الحرب الدائرة في السودان، منتقدًا ما وصفه بالسرديات غير الدقيقة التي تُقدَّم للرأي العام الإقليمي والدولي، وأوضح أن توصيف الحرب باعتبارها صراعًا بين جنرالين، أو مواجهة مرتبطة بالتيارات الإسلامية، أو نزاعًا يدور حول الديمقراطية، لا يعكس حقيقة ما يجري على أرض الواقع من وجهة نظر الحكومة السودانية، وذهب إلى أن الصراع يمثل حربًا شعواء تستهدف الدولة السودانية في وحدتها وسيادتها ومواردها، وتشارك فيها أطراف داخلية وخارجية عبر الدعم السياسي أو المالي أو العسكري؛ كما أشار إلى وجود معطيات وبيّنات ترى الحكومة أنها تثبت تورط جهات متعددة في تأجيج النزاع وإستمراره، مؤكدًا أن فهم طبيعة الحرب بصورة صحيحة يمثل المدخل الأساسي لأي جهد دولي يسعى إلى الإسهام في إنهاء الأزمة وتحقيق السلام والإستقرار.

 

تحمل تصريحات القائد مالك عقار رسائل سياسية مهمة تتجاوز توصيف الحرب إلى مستقبل العلاقات السودانية الأوروبية ومسار الحوار الوطني السوداني؛ فقد شدد على ضرورة بناء علاقات متوازنة مع الإتحاد الأوروبي تقوم على أهمية إحترام المتبادل والمصالح المشتركة، إنطلاقًا من المكانة الجيوسياسية التي يتمتع بها السودان في محيطه الإقليمي والقاري، وأكد أن الحوار السوداني الحقيقي ينبغي أن ينطلق من الداخل السوداني، وأن معالجة القضايا الوطنية عبر المنابر الخارجية لن تحقق النتائج المرجوة ما لم تستند إلى إرادة سودانية خالصة، وفي المقابل، عبّر السفير وولفرام فيتر رئيس بعثة الإتحاد الأوروبي في السودان عن رغبة الإتحاد في تعزيز التواصل مع السلطات السودانية، موضحًا أن الزيارة المشتركة لرؤساء البعثات الأوروبية تهدف إلى بحث سبل تحقيق السلام والإنتقال إلى الحكم المدني وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وبين هذين الموقفين، تبدو المرحلة المقبلة مرهونة بقدرة الطرفين على بناء الثقة وتطوير آليات الحوار بما يخدم جهود إستقرار السودان ويعزز فرص السلام والتنمية الشاملة والمستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي