تقاريرحوارات ومقالاتقضايا ومحاكم

د. معاوية عبيد يكتب: رسالة إلى المدير التنفيذي لمحلية جبل أولياء.. «تيس السُّرّة وشُغل المَضَرّة»!

 

 

 

صرير القلم

 

 

كتب/ د. معاوية عبيد

 

 

رجعنا إلى ديارنا بعد رحلة نزوح طويلة أثقلت الأرواح قبل الأجساد، وحمدنا الله أن مَنَّ علينا بالعودة إلى الوطن والحي والبيت. كنا نظن أن أصعب ما مررنا به هو الحرب، لكن كثيراً من العائدين اليوم لا يحدثونك عن ويلات الحرب بقدر ما يحدثونك عن معاناة ما بعد العودة.

لقد بشّرتنا ولاية الخرطوم بخطط التعافي، وأعلنت عن عودة الخدمات، وبدأت بالفعل خطوات تبعث على التفاؤل. وتحركت اللجان وفق رؤية واضحة، وبمتابعة من المسؤولين. شاهدنا بأم أعيننا تعب المسؤولين في الاجتماعات الدورية، ومناقشة كل قضية، صغيرة أو كبيرة أو عَصِيّة. وشاهدنا كيف شُدّت أسلاك الكهرباء على الأعمدة، كما شاهدنا الوالي يتجول بالبزة العسكرية صباحاً وعشية، وهو يحمل همَّ المسؤولية، ويتابع أصغر القضايا وأكبرها، من أجل أن تعود الخرطوم عاصمةً وطنيةً مزهرةً مخضرّة.

غير أن هذا التفاؤل لم يلبث أن تراجع؛ فعادت شبكات المياه إلى التعطل، وخفَتَت همم بعض العاملين، وتحولت لغة الخدمة من واجب تؤديه الدولة إلى معادلة قاسية: كلما دفعت أكثر، حصلت على خدمة أفضل.

تحمّل المواطن تكلفة الطاقة الشمسية، ووقود المركبات، وغلاء الأسعار الذي لا يرحم، ثم إذا أراد أن يشكو وجد نفسه يدفع فاتورة أخرى؛ مواصلات بين المكاتب، وإجراءات لا تنتهي، وانتظاراً يستهلك الوقت والأعصاب، حتى يصبح السهر والحمّى من نصيب صاحب الشكوى، لا من نصيب من تسبب فيها.

وهذه ليست قصة عامة، بل تجربة شخصية. فقد ابتلاني سوء الحظ بجار حوّل منزل جاره إلى زريبة للماشية داخل حي سكني، غير عابئ بحرمة الجوار، ولا بحقوق المرضى، ولا براحة الأسر، ولا بالأضرار البيئية والصحية التي تتسبب فيها الروائح الكريهة.

تقدمت بأكثر من شكوى إلى محلية جبل أولياء والوحدة الإدارية المختصة بالكلاكلة، وحضر مندوب الوحدة بعد أن تكفلت شخصياً بترحيله من مكتبه إلى موقع المخالفة. كما أبلغت عدداً من المسؤولين بالمحلية، ووثّقت المشكلة، لكن شيئاً لم يتغير. ما زلنا نعيش تحت وطأة الروائح والأذى، بينما صاحب المخالفة يجلس مطمئناً، يمد رجليه على «عنقريب حسن عدس»، ويواجه المتضررين بابتسامة ساخرة، وكأن القانون لا يعنيه، وكأن شكاوى المواطنين لا تجد من يسمعها.

ليست القضية قضية زريبة فقط، وإنما قضية هيبة دولة وعدالة مؤسسات. فإذا عجزت المحلية عن إزالة مخالفة واضحة داخل حي سكني، فكيف يطمئن المواطن إلى أن حقوقه مصونة؟ وكيف نطلب من الناس العودة إلى ديارهم إذا كانوا سيجدون أنفسهم في مواجهة الإهمال والبيروقراطية، بدلاً من مواجهة آثار الحرب؟

هذه الرسالة ليست هجوماً على أحد، وإنما نداء صادق إلى السيد المدير التنفيذي لمحلية جبل أولياء، للتدخل العاجل وإنصاف المواطنين، وتفعيل القانون على الجميع بلا استثناء. فالمواطن لم يعد يحتمل أن يدفع ثمن الحرب، ثم يدفع بعد ذلك ثمن التقاعس عن أداء الواجب.

إن إعادة إعمار الخرطوم لا تكون بالطوب والإسمنت وحدهما، وإنما بإعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وبترسيخ سيادة القانون، حتى يشعر كل مواطن بأن صوته مسموع، وأن حقه لن يضيع بين المكاتب والأختام.

فهل تجد هذه الرسالة من يقرأها بعين المسؤولية، قبل أن يقرأها بعين المجاملة؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي