النيل الأزرق.. من تثبيت الأمن إلى صناعة الاستقرار وبناء الدولة

من حروفي
كتب/ خالد الفكي
في مرحلة ما بعد الحرب، لا تُقاس قوة الدول والمجتمعات بقدرتها على إسكات صوت البنادق فحسب، بل بقدرتها على تحويل الهدوء الأمني إلى استقرار مستدام، والاستقرار إلى تنمية، والتنمية إلى دولة قادرة على حماية مواطنيها وتوفير الخدمات لهم. ومن هذه الزاوية، يبدو إقليم النيل الأزرق أمام اختبار استراتيجي يتجاوز حدود الجغرافيا والأمن، ليمس جوهر مشروع إعادة بناء الدولة السودانية.
فالإقليم، بموقعه الحدودي وثرواته الطبيعية والبشرية، يقف عند تقاطع حساس بين الأمن القومي والاقتصاد والتنمية. ويشكل استقرار معظم مناطقه، وفق ما أكده حاكم الإقليم الفريق أحمد العمدة بادي، قاعدة أولى لإعادة ترتيب الأولويات، خصوصاً مع وجود نحو 180 ألف نازح يحتاجون إلى الرعاية والدعم، وبدء عودة 17 ألف مواطن من جنوب السودان، إلى جانب عودة طوعية للنازحين إلى المناطق المحررة غرب الإقليم.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في تأمين الأرض وحدها، بل في إعادة بناء علاقة المواطن بالدولة. فمعالجة أزمة الرقم الوطني والمستندات الثبوتية، التي حُرم منها نحو 80% من المواطنين، تمثل خطوة استراتيجية لاستعادة الهوية القانونية، وفتح أبواب التعليم والصحة والخدمات والحقوق المدنية أمام قطاعات واسعة من السكان.
وهنا تتكامل معادلة الأمن مع الصحة والمياه والتعليم، باعتبارها ركائز للاستقرار الاجتماعي. كما أن إعادة تشغيل مطار الدمازين وتأهيل مستشفيات الروصيرص والتضامن يعكسان أهمية البنية التحتية في دعم التعافي، لا سيما في المناطق التي تستقبل العائدين والنازحين.
اقتصادياً، يمتلك النيل الأزرق فرصة نادرة لتحويل موارده إلى محرك للنمو. فوجود نحو 23 مليون رأس من الثروة الحيوانية يفتح الباب أمام اقتصاد إنتاجي قادر على دعم الصادرات، خاصة مع الاتجاه لإنشاء سوق للصادر في الدمازين.
أما التماسك المجتمعي، فيظل شرطاً لا غنى عنه. فشعار «أنت السوداني.. كفاية» والمصالحات بين العرب والهوسا يمثلان محاولة لبناء هوية وطنية تتجاوز الانقسامات.
وبذلك، فإن معركة النيل الأزرق المقبلة ليست معركة استقرار أمني فقط؛ إنها معركة بناء دولة. فالنجاح الحقيقي سيقاس بقدرة الإقليم على تحويل العودة إلى اندماج، والموارد إلى إنتاج، والأمن إلى تنمية، والتنوع إلى قوة وطنية.

