السفير معاوية البخاري يكتب: لماذا رفع ترامب وإيران سقف المواجهة؟

بين التصعيد والتفاوض: لماذا رفع ترامب وإيران سقف المواجهة؟ وإلى أين تتجه المنطقة!؟
السفير د. معاوية البخاري
في ضوء التطورات المتسارعة خلال الأيام الأخيرة، يبدو أن المشهد الأمريكي–الإيراني دخل مرحلة جديدة تتجاوز مجرد التفاوض حول مذكرة تفاهم أو ترتيبات مؤقتة لوقف التصعيد، إلى مرحلة إعادة رسم قواعد الاشتباك السياسي والعسكري في المنطقة بأسرها. فبينما كان كثيرون يعتقدون أن الطرفين اقتربا من تفاهم مرحلي، جاءت المواقف الأخيرة لكل من واشنطن وطهران، بالتزامن مع التصعيد الإسرائيلي في لبنان، لتعيد المشهد إلى المنطقة الرمادية الواقعة بين الحرب واللا حرب.
لذلك لم يكن التباطؤ الذي أصاب مسار التفاهم الأمريكي–الإيراني خلال الأيام الماضية حدثاً عارضاً أو تفصيلاً فنياً يتعلق بصياغة بنود الاتفاق، او الصياغة، بل يعكس تحولات أعمق في حسابات الأطراف المنخرطة في الأزمة، سواء في واشنطن أو طهران أو تل أبيب.
فبعد أن بدت الأجواء مهيأة للوصول إلى مذكرة تفاهم تفتح الطريق نحو ترتيبات أكثر استقراراً، عاد الرئيس دونالد ترامب إلى رفع سقف مطالبه، بينما ردت إيران بإعلاء مستوى التصعيد السياسي والعسكري، في وقت اختارت فيه إسرائيل العودة إلى الميدان اللبناني بصورة أكثر عدوانية على نهج الارض المحروقة، وكأنها تسعى إلى منع ولادة أي تسوية لا تكون جزءاً منها أو لا تحقق أهدافها الاستراتيجية.
أولاً: لماذا غيّر ترامب موقفه؟
توجد عدة عوامل تفسر تشدد ترامب في اللحظات الأخيرة.
أول هذه العوامل يتعلق بطبيعة شخصيته التفاوضية نفسها، فهو يميل دائماً إلى رفع السقف في المراحل النهائية من أي تفاوض بغرض انتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات وإظهار نفسه أمام الداخل الأمريكي باعتباره صاحب “الصفقة الأفضل”.
أما العامل الثاني فيتعلق بالضغوط الداخلية الأمريكية، حيث يواجه ترامب تيارات متباينة داخل الإدارة والحزب الجمهوري؛ وضغوط مكثفة عليه في أكثر من صعيد. فهناك تيار يدفع نحو تسوية سريعة تخفف الضغوط الاقتصادية الناجمة عن اضطراب أسواق الطاقة، بينما يطالب تيار آخر بفرض شروط أكثر صرامة على إيران تتعلق بمخزون اليورانيوم المخصب ومستقبل البرنامج النووي والصاروخي.
العامل الثالث يتمثل في الحليف الإسرائيلي. فكلما اقتربت واشنطن وطهران من تفاهم ما، تزداد المخاوف الإسرائيلية من أن يؤدي الاتفاق إلى إعادة تأهيل إيران إقليمياً، أو على الأقل إلى تثبيت وضعها الحالي دون تفكيك كامل لقدراتها الاستراتيجية. وقد مارست تل أبيب خلال الأشهر الماضية ضغوطاً متواصلة على الإدارة الأمريكية للحيلولة داخليا عبر مجموعات الضغط ، دون أي اتفاق لا يحقق شروطها الأمنية القصوى.
كما لا يمكن إغفال العامل الاقتصادي؛ فاستمرار التوتر في الخليج وارتفاع أسعار النفط يمنح واشنطن أوراق ضغط إضافية على طهران، لكنه في الوقت نفسه يفرض على ترامب ضرورة تحقيق اختراق سياسي يمنع انزلاق الاقتصاد الأمريكي نحو ضغوط تضخمية أكبر.او يعيق ترتيبات كاس العالم ..
ثانياً: لماذا رفعت إيران سقف التصعيد؟
في المقابل، تنظر طهران إلى المطالب الأمريكية الأخيرة باعتبارها محاولة لتغيير قواعد التفاوض من جديد، وتتوقع حسب التاريخ والتجارب العودة للحرب .
فالمطالب المتعلقة بنقل أو تسليم مخزون اليورانيوم المخصب، أو فرض قيود دائمة على البرنامج النووي، تمس جوهر الخطوط الحمراء الإيرانية التي تعتبرها جزءاً من سيادتها الوطنية. ولهذا جاءت التصريحات الإيرانية أكثر تشدداً خلال الأيام الأخيرة.
كما أن القيادة الإيرانية تدرك أن أي تراجع كبير في هذه المرحلة قد يُفسر داخلياً على أنه استسلام لضغوط الحرب والعقوبات، وهو ما قد يضعف موقعها السياسي بعد أشهر من المواجهة.
ومن زاوية أخرى، تسعى طهران إلى استخدام أدوات الضغط المتاحة لها لإقناع واشنطن بأن تكلفة الفشل في التوصل إلى تفاهم ستكون مرتفعة، سواء عبر التلويح بالمجال البحري ومضيق هرمز أو عبر ساحات النفوذ الإقليمي المختلفة. والواقع يقول أن ما لم تحققه امريكا بالحرب لن تحققه بغيرها .
ثالثاً: إسرائيل ومحاولة إعادة إشعال الحرب
التطور الأكثر خطورة ربما لا يكمن في الخلافات الأمريكية–الإيرانية نفسها وتباينات المواقف ، بل في السلوك الإسرائيلي داخل لبنان.
فالتوغلات والضربات الأخيرة في العمق اللبناني جاءت في توقيت شديد الحساسية، إذ تزامنت مع محاولات إحياء المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران. وقد اعتبرت إيران أن أي حديث عن التهدئة لا يمكن فصله عن وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان، بل ربطت استمرار الحوار بوقف تلك الاعتداءات.
وتدرك إسرائيل أن نجاح أي تفاهم أمريكي–إيراني قد يؤدي إلى تخفيف مستوى المواجهة الإقليمية، وهو ما قد يحد من قدرتها على حشد الدعم الدولي لمشاريعها الأمنية والعسكرية. ولذلك يبدو أن تل أبيب تحاول إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم يضمن استمرار حضورها كلاعب لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مقبلة.
رابعاً: أين تقف الوساطة اليوم؟
الوساطة، سواء عبر القنوات العمانية أو الباكستانية أو القطرية، لم تنهَر بالكامل، لكنها تواجه اختباراً بالغ الصعوبة.
فمن جهة، لا تزال هناك قنوات اتصال ورسائل متبادلة بين الطرفين، كما أن واشنطن تؤكد أن المفاوضات لم تتوقف بصورة نهائية. ومن جهة أخرى، تؤكد طهران أن التصعيد الإسرائيلي والتناقضات الأمريكية يعرقلان أي تقدم حقيقي،
وهذا يعني أن الوساطة تقف حالياً في منطقة وسطى بين النجاح والفشل، وبين الحرب واللا حرب. فلا توجد مؤشرات حاسمة على انهيار المسار السياسي، كما لا توجد مؤشرات كافية على اقتراب اتفاق نهائي.
إلى أين تتجه الأمور؟
السيناريو الأقرب في المدى المنظور ليس الحرب الشاملة ولا السلام الكامل، بل استمرار حالة “التصعيد المنضبط”.
ستواصل إيران رفع مستوى الضغط دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة، بينما سيستمر ترامب في استخدام سياسة العصا والجزرة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب التفاوضية، في حين ستحاول إسرائيل خلق وقائع ميدانية جديدة تمنع أي تسوية لا تراعي مصالحها.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن كثرة اللاعبين وكثرة الجبهات تجعل احتمالات سوء التقدير مرتفعة للغاية. فطلقة واحدة غير محسوبة، أو عملية عسكرية تتجاوز حدودها المتوقعة، قد تدفع المنطقة من مربع التفاوض المتعثر إلى مربع الحرب الواسعة.وعليه، فإن السؤال لم يعد: هل يوجد اتفاق قريب؟ بل أصبح: هل تستطيع الوساطات الإقليمية والدولية منع التصعيد من تجاوز نقطة اللاعودة قبل أن تنضج شروط التسوية؟، ذلك هو التحدي الحقيقي الذي
يواجه المنطقة اليوم.
خاتمة
في المحصلة، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو حرب شاملة بقدر ما تتجه نحو مرحلة من شد الحبال الاستراتيجي، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه التفاوضي قبل حسم الخيارات الكبرى. وبين تصعيد محسوب وتفاوض متعثر، تبقى الوساطات الإقليمية والدولية هي الحاجز الأخير أمام الانزلاق إلى مواجهة أوسع. غير أن نجاحها سيظل رهيناً بقدرتها على تضييق فجوة الثقة بين الأطراف وكبح محاولات توسيع ساحات الصراع، في لحظة تبدو فيها المنطقة أقرب إلى تسوية مؤجلة منها إلى سلام مستدام.
——————
٢ يونيو ٢٠٢٦ م
