الإقتصادتقارير

الدولار وطريق الصعود .. الجنيه والنزيف المخيف

 

 

إنتاج الذهب يرتفع وسعر العملة المحلية يتراجع..مفارقة..

 

مطالبات بتعديل وزاري وتغيير الطاقم الاقتصادي ..معالجات..

 

د. هيثم: ضخ النقد الأجنبي وحظر السلع مسكنات لا تعالج أصل الاختلال..

 

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

 

واصل الجنيه السوداني انهياره المخيف أمام العملات الأجنبية، في وقت تجاوز فيه الدولار حاجز التسعة آلاف جنيه، الأمر الذي ترتب عليه تآكل القوة الشرائية وسط سخط من المواطنين على الحكومة التي يتهمونها بالتفرج على معاناتهم، في وقت تتسع فيه دائرة الغلاء وتتراجع قدرة الأسر على الوفاء باحتياجاتها الأساسية.

 

هاجس يومي:

والواقع أن ارتفاع الدولار، تحول إلى هاجس يومي يلاحق المواطن السوداني في منزله وسوقه ومكان عمله، فيما تتبدل أسعار السلع والخدمات بوتيرة يصعب معها على كثيرين ترتيب ميزانياتهم أو معرفة ما يمكن أن تشتريه مداخلهم ورواتبهم على ضعفها من احتياجات الغد الأمر الذي يضع المواطنين تحت ضغط العملة حيث إن ارتفاع الأسعار أصبح يسبق قدرة الأسر على الاحتمال، ويعكس أحد المواطنين متحدثاً للكرامة من الخرطوم، حجم القلق الذي بات يفرضه اضطراب سعر الصرف على الحياة اليومية، قائلاً إنه أصبح يخشى أن يستيقظ من النوم مخافة أن يكون الدولار قد ارتفع من جديد، بما يعنيه ذلك من زيادة تلقائية في أسعار السلع والخدمات.

وتقول ربة منزل إنها عزفت عن الذهاب إلى السوق في كثير من الأحيان، ليس فقط لعدم قدرتها على مجاراة ارتفاع الأسعار، وإنما أيضاً لأنها لم تعد قادرة على «المحاججة والمفاصلة» مع التجار، مشيرة إلى أن معظمهم باتوا بدورهم «مغلوبين على أمرهم»، بعدما أصبحوا غير قادرين على تحديد أسعار ثابتة لبضائعهم التي تتغير بين لحظة وأخرى.

ومن القاهرة يقول سوداني لاجئ إن تراجع الجنيه كان سبباً مباشراً في اتخاذه قرار العودة إلى السودان، بعد أن فشل في توفير أبسط مقومات العيش الكريم لأسرته، موضحاً أن ما يكسبه لم يعد يكفي لمواجهة الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة، الأمر الذي جعله أمام خيار صعب بين البقاء بعيداً عن وطنه مع عجزه عن إعالة أسرته، أو العودة رغم ظروف الحرب.

مفارقة:

وتزداد المفارقة وضوحاً عند النظر إلى حصائل صادرات الذهب، إذ بلغت 2.292 مليار دولار خلال الفترة من يناير حتى سبتمبر، وفقاً لبيانات الشركة السودانية للموارد المعدنية، فلماذا لا تنعكس زيادة حصائل الذهب وموارد النقد الأجنبي على استقرار الجنيه السوداني؟، ووفقاً لخبراء اقتصاديين فإن السؤال لا يتعلق بحجم إنتاج الذهب وحده، وإنما بمدى قدرة الاقتصاد على تحويل حصائل الصادر إلى موارد فعلية تدخل الجهاز المصرفي وتوفر النقد الأجنبي لتمويل الواردات والاحتياجات الأساسية، فضلاً عن مدى إحكام دورة النقد الأجنبي منذ الإنتاج وحتى التصدير والتحصيل والاستخدام.

 

تعديل وزاري:

ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية، يعود إلى الواجهة الحديث عن ضرورة إجراء تعديل وزاري، وإحداث تغييرات في الطاقم الاقتصادي لحكومة الأمل، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة يتمثل في ما إذا كان تبديل المسؤولين كافياً وحده لتغيير مسار سعر الصرف، أم أن الأزمة تحتاج قبل ذلك إلى مراجعة شاملة للسياسات والأدوات التي أدارت بها الحكومة سوق النقد الأجنبي خلال الفترة الماضية، ويؤكد خبراء أن تغيير الأشخاص قد يمنح السياسات الاقتصادية فرصة جديدة، لكنه لن يكون كافياً ما لم يصاحبه تغيير في المنهج المتمثلة في ضبط الإنفاق، وزيادة الإنتاج والصادرات، وإحكام إدارة حصائل الذهب، وتقليص الطلب غير الضروري على النقد الأجنبي، معالجة الاختلالات النقدية والمالية، وتعزيز الثقة في الجهاز المصرفي.

 

محدودية إجراءات:

ويرى المحلل الاقتصادي الدكتور هيثم فتحي أن مؤشرات تفاقم الوضع الاقتصادي وتصاعد الضغوط المعيشية والاجتماعية تعكس محدودية الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتهدئة سوق الصرف، وينوه دكتور هيثم في إفادته للكرامة إلى أن بعض الإجراءات الحكومية ربما جاءت نتائجها عكسية، إذ تحدى المواطنون القيود المفروضة واتجهوا إلى السوق الموازي بحثاً عن الدولار، فيما لجأ آخرون إلى الذهب باعتباره ملاذاً لحماية مدخراتهم من التآكل، ويؤكد أن أزمة الجنيه لا ترتبط بعامل واحد يمكن علاجه بقرار منفرد، إذ أضعفت الحرب الإنتاج والصادرات وألحقت أضراراً واسعة بالبنية الاقتصادية والمصرفية، في وقت تراجعت فيه قدرة الدولة على توفير موارد مستقرة من النقد الأجنبي، بينما ظل الطلب على الدولار مرتفعاً لتمويل الواردات والوقود والاحتياجات التجارية، فضلاً عن المضاربة واتساع نشاط السوق الموازية. ويضيف أن حظر بعض السلع أو ضخ الدولار في المصارف أو تعديل سياسات الذهب قد يوفر حلولاً مؤقتة، لكنه لا يعالج أصل الاختلال ما لم يترافق مع زيادة حقيقية في موارد النقد الأجنبي وتقليص الطلب عليه، لافتاً إلى أن المشكلة ليست في ارتفاع سعر الدولار وحده، وإنما في اقتصاد «ينفق من النقد الأجنبي أكثر مما ينتج».

حرب اقتصادية:

وحول ما يُثار عن وجود حرب اقتصادية تستهدف إضعاف الحكومة، عبر جهات تشتري المعروض من العملات الأجنبية حتى بالخسارة، يرى فتحي أن مواجهة مثل هذه الضغوط تبدأ من تقوية الاقتصاد من الداخل وسد الثغرات التي يمكن أن تنفذ منها الحرب الاقتصادية الخفية. ويوضح أن تقدم اقتصاد الدولة هو حصيلة تفاعل مؤسساتها وسياساتها وأسواقها؛ فإذا تراجعت فاعلية المؤسسات وافتقدت متطلبات الحوكمة والشفافية، واضطربت السياسات العامة وغاب التنسيق بينها، أو اختلت كفاءة الأسواق وتماهت أدوار القطاع الخاص مع وظائف الحكومة بلا ضوابط، فإن هذه الاختلالات نفسها تتحول إلى أبواب مفتوحة أمام الضغوط الاقتصادية، داعياً إلى إغلاق هذه الأبواب بإصلاح مؤسسي وسياسي وسوقي متزامن.

 

خاتمة مهمة:

ومهما يكن من أمر.. فإن لسان كل المراقبين يُجمع على استقرار العملة الوطنية يبدأ من الإنتاج، لا من ضخ الدولار وحده، وبالتالي فإن الخروج من نفق التراجع المخيف للجنيه يحتاج إلى الانتقال من إدارة أزمة سعر الصرف إلى إعادة بناء مصادر القوة الاقتصادية، خاصةً وأن السودان يمتلك موارد يمكن أن توفر له النقد الأجنبي، وفي مقدمتها الذهب والزراعة والثروة الحيوانية والصادرات الأخرى، لكن التحدي يكمن في تحويل هذه الموارد إلى تدفقات مستدامة تدخل الاقتصاد الرسمي وتدعم استقرار العملة، ويتطلب الأمر كذلك ضرورة تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وإحكام دورة حصائل الصادر، وتوجيه النقد الأجنبي إلى السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج، مع إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية التي تضررت بفعل الحرب، فالجنيه لا يحتاج إلى مسكنات، فحين يصبح الذهب وفيراً والدولار أغلى، تبقى المشكلة أعمق من سعر الصرف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي