الدكتور محمد حمد يكتب: بين مناشدات المالية وعقدة التطبيقات… أزمة المغترب؟

مفتاح المدى (حكاوي من زمن الحرب)
بقلم: د. محمد حمد محمد أحمد
في الوقت الذي تبحث فيه وزارة المالية عن أي قشة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الاقتصاد، وتطلق المناشدة تلو الأخرى للمغتربين لتحويل مدخراتهم عبر القنوات الرسمية، تصطدم هذه الأشواق بنسق إداري ومصرفي غريب، يعطّل العقول قبل المعاملات.
تبدأ المفارقة حين تفتح الدولة فروعًا لبعض البنوك السودانية داخل مقرات السفارات، ليس لتقديم تسهيلات استثمارية كبرى أو حوافز تشجيعية، بل لغرض يبدو في ظاهره خدميًا، وفي باطنه قمة البيروقراطية: تنشيط تطبيق البنك، أو فتح حساب جديد للتعامل مع التطبيق المتوقف.
هنا يقف المغترب أمام مشهد سريالي؛ يدخل السفارة ليعالج مشكلة تقنية في نظام مصرفي تعتمد عليه ملايين الأسر في الداخل، ثم يخرج من بوابة السفارة ليجد أن تجار العملة، على بُعد خطوات من السور، يقدمون له ما عجزت عنه المنظومة الرسمية: سعر صرف مجزٍ، وسرعة فائقة، وتسييلًا فوريًا، دون انتظار “السيستم” أو الوقوف في صفوف تنشيط الحسابات.
هذا المشهد يضعنا أمام سؤال جوهري: هل الدولة شريك مستفيد من استمرار هذا السوق الموازي، أم أن الأمر مجرد عجز إداري متوارث، وعقلية عقيمة لا تستطيع مواكبة حركة المال الحرة؟
إن الرهان على وطنية المغترب وحدها، دون تقديم خدمة مصرفية مستقرة وسعر صرف عادل، هو رهان خاسر. فالمال يبحث عن القنوات الأكثر مرونة وأمانًا، والمغترب الذي يكدح في الخارج يريد أن تصل أمواله إلى أهله بأسرع وقت، وأعلى قيمة.
وطالما عجزت الدولة عن تحويل فروع السفارات إلى مراكز جذب حقيقية، وظل المغترب أسيرًا لعقدة “تنشيط الحساب”، فستبقى مناشدات وزارة المالية صرخة في وادٍ سحيق، وسيبقى السوق الموازي هو الخيار الإجباري الذي تصنعه الدولة ببطئها، ويتحرك فيه المغترب بوعيه الاقتصادي الحذر.
لكن المفارقة لا تقف عند حدود التطبيق البنكي، بل تمتد إلى سؤال أكبر: أين الدولة من تمكين المغترب نفسه؟
فالدول التي تفهم اقتصادها جيدًا لا تنظر إلى المغترب بوصفه مصدرًا للتحويلات المالية فحسب، بل تراه رافعةً تنموية، وامتدادًا طبيعيًا لسوق العمل، وذراعًا اقتصاديةً يمكن أن تغيّر حياة آلاف الأسر في الداخل. وإذا كانت وزارة المالية تبحث عن الدولار، فإن الطريق الأقصر إليه ليس المناشدات، بل خلق بيئة عمل حقيقية للمغترب في الخارج؛ لأن تمكينه هناك هو تمكين لأسرته هنا، وتمكين الأسرة هو استقرار اقتصادي واجتماعي للدولة.
وهنا تظهر الأسئلة التي يجب أن تُطرح بلا تردد:
أين القنصل العمالي، والطبي، والثقافي، الذي يفترض أن يكون عين الدولة على فرص العمل والتعليم والصحة في الخارج؟
أين الربط بين وزارة الخارجية، والسفارات، وجهاز المغتربين؟
أين دور وزارة العمل في توقيع اتفاقيات تشغيل حقيقية، بدلًا من ترك الساحة للسماسرة؟
أين قاعدة البيانات الموحدة التي تعرف من يعمل، ومن يبحث عن عمل، ومن يحتاج إلى تدريب، ومن يمكن أن يعود طوعًا؟
هذا هو المثلث الذهبي الذي يجب أن يُرسم بدقة: وزارة الخارجية – وزارة العمل – جهاز المغتربين. مثلث، لو تم تفعيله بذكاء، لتحول المغترب من مجرد محوّل أموال إلى شريك اقتصادي كامل.
وعلى وزارة الخارجية أن تفهم أن تنسيق مؤسسات الداخل والخارج يجب أن يتناغم مع مفهوم العمل الدبلوماسي الحديث. فالعمل الخارجي لم يعد مرهونًا بـ”الجواز الأحمر”، ولا محصورًا في الطاقم التقليدي للسفارات، بل أصبح شراكة ذكية تتكامل فيها الجهود، وتُزال فيها عقدة العصبية المهنية والوظيفية التي عطلت كثيرًا من المبادرات الوطنية.
ومن حق المؤسسات الوطنية الصحية، والتعليمية، والمهنية، والاقتصادية أن تجد مكانها داخل مباني السفارات، وأن تمارس دورها الطبيعي في خدمة المواطن بالخارج. وعلى السفارات أن تستفيد من خبرات منسوبي هذه المؤسسات المنتشرين في دول الاغتراب، فهم امتداد للدولة، وذراعها الفنية، وواجهتها المهنية، التي يمكن أن تُحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس.
لقد تحرر العالم من القيود القديمة، ولم يعد العمل الخارجي رهينًا باتفاقيات شكلية “لا تغني ولا تبقي ولا تذر”. إن التفكير في مرحلة ما بعد الحرب يجب أن يكون مبدعًا، ومرنًا، وخارج الصناديق القديمة التي كبّلت الدولة لعقود. فالدبلوماسية الحديثة ليست بروتوكولًا، بل منظومة تشغيل، ونافذة خدمات، وجسرًا بين الداخل والخارج، لا جدارًا يفصل بينهما.
إن تمكين المغترب في الخارج هو تمكين لأسرته في الداخل، وتمكين الأسرة هو تمكين للوطن. ومن هنا يمكن للدولة أن تطلق برنامج عودة طوعية حقيقيًا لآلاف الأسر التي خرجت بسبب الحرب، بدلًا من أن تدفعها إلى مزيد من الهجرة.
فحين يعمل هذا المثلث بكفاءة، يصبح المغترب ليس مجرد فرد يبحث عن رزقه، بل قوة اقتصادية، وامتدادًا للدولة، وركيزة للاستقرار الاجتماعي. أما حين يغيب التنسيق، فتبقى الدولة في وادٍ، والمغترب في وادٍ آخر، والسوق الموازي هو المستفيد الوحيد.
وفي زمن الحرب… تتكاثر الحكايات الصغيرة التي تكشف عطبًا كبيرًا. حكايات تبدأ من نافذة سفارة، أو من صف أمام بنك، أو من رسالة “السيستم خارج الخدمة”، لكنها تنتهي عند سؤال أكبر: من يصنع الأزمة؟ ومن يدفع ثمنها؟
وفي زمن الحرب… تتكاثر الأسئلة أكثر من الإجابات. أسئلة تبدأ من تطبيق بنك، وتمتد إلى بنية دولة كاملة تحتاج إلى إعادة تشغيل، لا إلى “تنشيط حساب”.
وفي المقال القادم من سلسلة “مفتاح المدى (حكاوي من زمن الحرب)”، سنفتح ملفًا آخر: كيف تحوّل المغترب إلى مؤسسة اقتصادية موازية؟ وكيف يمكن للدولة أن تستعيده شريكًا لا بديلًا؟
ونواصل…

