«التأمينات المتحدة».. عودة الثقة ومظلة الحماية

كتب/ خالد الفكي
لم تكن عودة شركة التأمينات المتحدة إلى مقرها الرئيسي بالعاصمة الخرطوم، عقب تدشينه بضاحية العمارات، مجرد استئناف لنشاط مؤسسي توقف بفعل الحرب، وإنما حملت دلالات اقتصادية واستراتيجية تتجاوز عودة شركة إلى مقارها وفروعها؛ إذ تعكس أهمية استعادة المؤسسات المالية والخدمية لدورها في إعادة بناء الثقة، وتحريك عجلة الاقتصاد الوطني.
ففي بلد أنهكت الحرب بنيته الاقتصادية، وألحقت أضراراً واسعة بالقطاعين العام والخاص، تبرز صناعة التأمين باعتبارها أحد المرتكزات الأساسية للتعافي الاقتصادي، ليس بوصفها خدمة تجارية فحسب، وإنما باعتبارها أداة لإدارة المخاطر، وحماية الأصول، وصون الاستثمارات، والحد من الخسائر المحتملة التي تواجه الأفراد والمؤسسات والمشروعات الإنتاجية.
وتكتسب تجربة التأمينات المتحدة أهمية خاصة في هذا التوقيت، بالنظر إلى قدرتها على المحافظة على استمرارية أعمالها، وحماية حقوق حملة الوثائق والمساهمين خلال الحرب، ثم استعادة حضورها التشغيلي عبر افتتاح أربعة فروع بالعاصمة، إلى جانب 32 مكتباً فرعياً موزعة على محليات الولاية. وهي مؤشرات تعكس إرادة التعافي المؤسسي والقدرة على تجاوز الصدمات، وتؤكد أن استعادة النشاط الاقتصادي تبدأ بإعادة تشغيل المؤسسات القادرة على توفير الحماية والاستقرار.
ويقيني أن التحدي الحقيقي لا يكمن في استعادة المباني والفروع وحدها، بل في تطوير فلسفة العمل التأميني لتواكب متطلبات مرحلة ما بعد الحرب. فإعادة الإعمار تستدعي ابتكار منتجات تأمينية تستجيب لاحتياجات المستثمرين، وتحمي المشروعات الزراعية والصناعية والتجارية، وتوفر تغطيات ملائمة للممتلكات والأصول والبنية التحتية، بما يشجع رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية على العودة إلى السوق السودانية.
وفي تقديري، يمثل التحول الرقمي، وتبسيط الإجراءات، وتأهيل الكوادر المهنية، وتعزيز الحوكمة والشفافية، ركائز أساسية لبناء سوق تأمين أكثر كفاءة وقدرة على المنافسة. كما تظل حماية حقوق حملة الوثائق، والوفاء بالالتزامات المالية، في صدارة الأولويات؛ باعتبارهما الأساس الحقيقي لترسيخ الثقة وتعزيز المصداقية في القطاع التأميني.
بلا شك، تمثل عودة التأمينات المتحدة إلى الخرطوم فرصة لإعادة تعريف دور التأمين في الاقتصاد السوداني، والانتقال به من مجرد آلية للتعويض عن الخسائر إلى شريك استراتيجي في صناعة التنمية وإدارة المخاطر، وتوفير البيئة الآمنة لنمو الأعمال والاستثمارات.
فالسودان، في مرحلة ما بعد الحرب، لا يحتاج إلى إعادة بناء ما تهدم فحسب، بل يحتاج أيضاً إلى مؤسسات قادرة على حماية ما يُعاد بناؤه، وضمان استدامته. والتأمين، في مقدمة هذه المؤسسات، يمثل أحد صمامات الأمان للاقتصاد، وأحد شروط استعادة الثقة وتهيئة الطريق نحو التعافي والتنمية.

