ثقافة وفنونرياضية

منتخب شدة “مدريد وبرشلونة المحس” على عرش المجد..

 

 

 

 

 

 

تسعة ركلات من نار تتوج الأبطال، وطارق إدريس يستحضر أمجاد التاريخ

 

 

 

كتب/ السمؤل محمد إبراهيم

 

في ليلة من ليالي كرة القدم التي لا تنسى، انتصر أبطال منتخب شدة على لغة الاستفزاز، وردوا في المستطيل الأخضر بثلاثية من الإبداع، ثم اعتلوا منصة التتويج في نهائيٍ ماراثوني حسم بالركلة التاسعة، ليؤكدوا أن المجد لا يمنح، بل تنتزعه الأقدام التي تعرف طريق البطولات. ليلة أمس لم تكن ليلة عادية في تاريخ شياخة شدة الرياضي، ولم تكن مجرد موعد كروي عابر ينتهي بصافرة حكم، ثم ينفض بعده الجمع؛ بل كانت حكاية مكتملة الفصول من التحدي والإصرار، ومن كبرياء الأبطال الذين يعرفون كيف يحولون الضغوط إلى وقود، والاستفزاز إلى حافز، والمستحيل إلى باب واسع للعبور نحو المجد.

كانت شدة قد دخلت أجواء المنافسة محملة بتاريخها، ومسنودة بجماهيرها العريقة، وهي تواجه أجواء من الحرب النفسية التي اختزلها خصومها في العبارة الشهيرة : «الجاز جابو». غير أن أسود شدة لم يتركوا للعبارات أن تكتب نهاية الحكاية، ولم يسمحوا للهتافات أن تكون أعلى من صوت الحقيقة في الميدان؛ فكان ردهم عمليا، حاسما، ومكتوبا بلغة كرة القدم التي لا تجامل أحدا : ثلاثة أهداف من نار، ودرس في فنون المستديرة، ورسالة واضحة أن شدة لا تقاس بما يقال عنها، وإنما بما تصنعه أقدام أبطالها حين يحين موعد الامتحان.

لكن حكاية الأمس لم تنته عند ذلك الانتصار؛ فقد كان الموعد الأهم ينتظر الجميع : المباراة النهائية التي ستعلن بطل الدورة، وتضع الكأس في يد الفريق الذي يستطيع أن يصمد حتى اللحظة الأخيرة. على الضفة المقابلة وقف منتخب قرقود، صاحب التاريخ الرياضي العريق، وخصم لا يمكن التقليل من شأنه أو التعامل معه باعتباره طريقا مفروشا إلى منصة التتويج. وفي الضفة الأخرى، حضر منتخب شدة، أو ما يحلو لي أن أطلق عليه لقب “مدريد وبرشلونة المحس”؛ تشبيها بما يختزنه عملاقا الكرة الإسبانية من سحر المستديرة وفنونها، واستحضارا لما يمثله هذا المنتخب من موهبة وإبداعٍ وروحٍ تنافسية تأبى إلا أن يكون للكؤوس معه موعد،

كان النهائي موعدا بين عملاقين، لكل منهما تاريخه ورجاله وطموحه، ولذلك جاءت المباراة على قدر التوقعات؛ تنافس شرس، وأداء قوي، وحسابات دقيقة، ومحاولات متبادلة لانتزاع الأفضلية، في مشهد استمتع به الحضور، وأثبت أن كرة القدم الشعبية حين تتسلح بالموهبة والروح والتنافس الشريف تستطيع أن تصنع من أبسط الإمكانات مسرحا كبيرا للمتعة والإثارة. انتهى الشوط الأول بالتعادل السلبي، بعدما فرضت صعوبة المواجهة نفسها على الفريقين، وظلّت الشباك عصية على المهاجمين. لم يكن الصفر في لوحة النتيجة دليلا على غياب الإثارة، بل كان شاهدا على صراعٍ تكتيكي مفتوح، وعلى رغبة كل فريقٍ في ألا يمنح الآخر هدية مجانية تقربه من الكأس.

ومع انطلاق الشوط الثاني، ازدادت حرارة المواجهة، وجاءت اللحظة التي انتظرها أنصار قرقود حين نجح لاعبهم عبد القادر في افتتاح التسجيل، مانحا فريقه التقدم، ومشعلا أجواء النهائي بهدف وضع شدة أمام اختبار حقيقي لصلابتها وقدرتها على العودة. هنا، تحديدا، تظهر معادن الفرق الكبيرة. فليس المجد أن تتقدم حين تسير الأمور وفق ما تشتهي، وإنما أن تجد في نفسك القدرة على النهوض حين تضيق المساحات، وتتسارع الدقائق، ويصبح الوقت خصمًا إضافيا في الملعب.

لم يرتبك أبطال منتخب شدة، ولم يستسلموا لضغط النتيجة؛ فهم أبناء مدرسة رياضية تعرف أن المباراة لا تنتهي بهدف، وأن المستديرة لا تمنح أسرارها لمن يفقد إيمانه بنفسه. كانوا يدركون أن ما دام في العمر بقية، وفي الملعب وقت، وفي الصدور نفس يتردد، فإن باب العودة يظل مفتوحا. وفي اللحظة التي احتاجت فيها شدة إلى رجلٍ يوقظ الأمل، ظهر القائد محمد بهاء الدين “الدبيب”، فكان على الموعد، وسجل هدف التعادل بفن وهندسة ولمسة تحمل ملامح مدرسة كروية تعرف كيف تكتب الفارق في اللحظات الصعبة. لم يكن هدف الدبيب مجرد كرةٍ استقرت في الشباك؛ كان عودة للروح، واستعادة للتوازن، وإعلانا بأن شدة لم تأتي إلى النهائي لتكون شاهدا على تتويج غيرها، بل جاءت لتنازع على الكأس حتى آخر رمق.

وعلى وقع الهدف، استعادت جماهير شدة شيئا من ذاكرة الأمجاد، وارتفعت في الوجدان هتافات الماضي، واستدعت القلوب ذلك الهتاف الذي ارتبط بذكريات الفرسان : “ود القرشي أسد المغوار.. ديل أبطال قلوب حار”. هكذا تفعل الأهداف الكبيرة؛ إنها لا تغير النتيجة وحدها، بل تستنهض ذاكرة الجماهير، وتستدعي أسماء الرجال الذين صنعوا التاريخ، وتربط حاضر الميدان بأمس لا يزال حيا في الوجدان.

انتهى الوقت الأصلي بالتعادل الإيجابي بهدف لكل فريق، لتدخل المباراة فصلها الأكثر توترا وإثارة : ركلات الترجيح، حيث تختصر المسافات بين المجد وخيبة الأمل، وتصبح الكرة الصغيرة المحسوبة على نقطة الجزاء أكبر من الملعب كله. في ركلات الترجيح، لا تكفي المهارة وحدها، ولا يشفع التاريخ لصاحبه، ولا يستطيع اللاعب أن يستعير هدوءه من أحد؛ فهناك، أمام المرمى، يقف وحده في مواجهة الحارس، والجماهير، والضغط، واللحظة التي قد تخلد في ذاكرة البطولة سنوات طويلة.

توالت الركلات، واحدة بعد أخرى، وظل الصراع محتدما، ولم يرض النهائي أن يكشف عن بطله سريعا. حتى بلغ التنافس الركلة التاسعة، تلك اللحظة التي بلغ فيها الترقب ذروته، وكأن الزمن قرر أن يتوقف قليلا ليمنح البطولة خاتمة تليق بمباراة الكبار. وهناك، تقدم حازم، بطل شدة الكبير، ليضع بصمته الحاسمة على المشهد، وينجح في حسم الركلة التي منحت فريقه لقب البطولة.

لحظة تختلط فيها الأنفاس بالهتافات، والدموع بالابتسامات، وتتحول فيها الضغطة الأخيرة إلى ذكرى لا تنسى. لحظة لا يملك فيها البطل ترف التردد، ولا يملك الجمهور سوى أن يحبس أنفاسه، ثم ينفجر فرحا حين تعانق الكرة شباك المجد. بهذه الركلة، اعتلى منتخب شدة منصة التتويج، وأعلن نفسه بطلا للدورة، مؤكدا أن الكؤوس لا تحسم بالأمنيات، ولا تنتزع بالضجيج، وإنما بالصبر والثبات والقدرة على مواجهة اللحظة الفاصلة. لقد كان حازم عنوانا لنهاية سعيدة، وكان الدبيب عنوانا لعودة مستحقة، وكان بقية الأسود شركاء في ملحمة جماعية اا يصنعها لاعب واحد، مهما بلغت موهبته، بل تصنعها منظومة تؤمن بأن البطولة مسؤولية الجميع.

وما إن استقرت البطولة في حضن شدة، حتى خرج من استراحته القائد الرياضي الكبير طارق إدريس قورتي؛ اللاعب السابق، والمدرب، والإداري المحنك، وصاحب الحضور الذي لا تخطئه الذاكرة الرياضية لأبناء المنطقة.

ولعل أجمل ما في المشهد أن خروجه لم يكن خروج محارب من ساحة معركة؛ فشدة، كما يعرف أهلها، ليست ساحة للحروب، بل فضاء للسلام والخير والمحبة، وميدان تتنافس فيه القلوب قبل الأقدام. لقد كان خروج قائد من استراحة القيادة، ورجل يعرف متى يتحدث التاريخ، ومتى تترك الكلمات مكانها للهتاف. سجل طارق إدريس قورتي مقطعا مصورا استهل حديثه بأبيات من معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي، شاعر الفخر والإباء، قائلا : “ونشرب إن وردنا الماء صفوا ويشرب غيرنا كدرا وطينا”. وليس استدعاء هذا البيت في لحظة التتويج أمرا عابرا؛ فالأبيات تنتمي إلى عالم من الاعتداد بالنفس، والفخر بالمكانة، واستحضار الموروث الذي يمنح الجماعة شعورها بهويتها وقيمتها. ولعل اختيار طارق لهذا البيت يكشف عن رجلٍ يستحضر ذاكرته الثقافية كما يستحضر ذاكرته الرياضية؛ فالكلمات عنده ليست زينة للحديث، بل مفاتيح لفتح أبواب التاريخ. وإذا كان البيت من شعر الفخر العربي القديم، فإن المناسبة منحته معنى محليا خاصًا؛ معنى يتصل بشدة، وبأهلها، وبسجل رياضي يرى طارق أنه يستحق أن يروى للأجيال، لا أن يترك للنسيان.

ثم وجه التحية إلى جماهير شدة العزيزة، تلك الجماهير التي لم تكن مجرد متفرجٍ على مدرجات الفرح، بل كانت جزءا من روح الفريق وذاكرته، ووجه الشكر إلى اللجنة التنفيذية في شياخة شدة، تقديرا لدورها في دعم الأنشطة الرياضية، وإلى الأبناء الأبطال، أولئك الأسود الذين اعتادوا أن يحملوا اسم منطقتهم إلى ميادين المنافسة، وأن يعودوا إليها بما يليق بأهلها من أفراح وانتصارات.

ولم يخف طارق دهشته من التتويج، بل أكد أنه لا يستغربه؛ فشدة، في نظره، اعتادت الوقوف على منصات التتويج، لأنها صاحبة ريادة وسيادة رياضية في المنطقة. ثم مضى يستعيد فصولا من تاريخها، مستحضرا ما عاشه بنفسه لاعبا، وما واصل أداءه مدربا، حين كانت منصات التتويج جزءا من المشهد الذي عرفته شدة في مراحل مختلفة من مسيرتها. وهنا تكمن قيمة شهادة طارق قورتي؛ فهو لا يتحدث عن بطولة من خارج الحكاية، ولا يروي أمجادا سمع عنها من الآخرين، بل يتحدث بلسان رجل خبر الملعب لاعبا، وقرأ تفاصيله مدربا، وعرف شؤون الرياضة إداريا. إنه صوت يحمل ذاكرة التجربة، ويصل بين جيل صنع البدايات وجيل يتولى اليوم مسؤولية مواصلة الطريق.

إن أجمل ما في هذا التتويج أنه لا يقف عند حدود الكأس، ولا ينحصر في فرحة ليلة عابرة؛ إنه يفتح نافذة على العلاقة العميقة بين الرياضة والهوية، وبين الفريق وجمهوره، وبين الحاضر الذي يحتفل والماضي الذي يمنحه جذوره. فالفرق التي تعيش على أمجاد الماضي وحدها سرعان ما تتراجع، والفرق التي تنكر تاريخها تفقد جزءا من روحها. أما الفرق التي تعرف كيف تجعل من الماضي مدرسة، ومن الحاضر مسؤولية، ومن المستقبل وعدا، فهي التي تستطيع أن تجدد حضورها جيلا بعد جيل.

وهذا هو المعنى الذي تمنحه تجربة شدة لأبنائها: أن التاريخ ليس حكاية تروى في المجالس فحسب، بل مسؤولية تتجدد في كل مباراة، وأن الكأس التي يرفعها جيل اليوم تصبح أمانة في أعناق الجيل الذي يليه.

ومن هنا، فإن فوز شدة لا ينبغي أن يقرأ بوصفه انتصارا على قرقود، ذلك الفريق العريق الذي يستحق التحية على حضوره ومنافسته، بقدر ما ينبغي أن يقرأ بوصفه انتصارا للإرادة الرياضية، وللروح التنافسية التي منحت النهائي قيمته، وللمواهب التي أمتعت الجماهير، وللجمهور الذي جعل من المباراة مناسبة تتجاوز حدود الملعب. فالخصم القوي هو الذي يمنح الانتصار قيمته، والمنافسة الشريفة هي التي ترفع قدر البطولة، والرياضة الحقيقية هي التي تجعل التنافس طريقا إلى المحبة، لا سببا للخصومة.

من “الجاز جابو” إلى “الكأس جابو” : وهنا تعود الحكاية إلى بدايتها؛ إلى العبارة التي حاولت أن تصنع ضغطا نفسيا على أبطال شدة “مدريد وبرشلونة المحس”، وإلى الرد الذي جاء من الميدان، لا من المنابر. لقد قالوا : «الجاز جابو»، فكان رد شدة في الملعب، بثلاثة أهداف من نار، ثم بكأس جاء بعد نهائي عصيب، تعادل فيه الفريقان، واحتكما إلى الركلة التاسعة لتحديد البطل.

وما بين العبارة الأولى واللقطة الأخيرة، ثمة درس يستحق أن يكتب بماء الذهب : لا تجعلوا ضجيج الآخرين يحدد صورتكم عن أنفسكم، ولا تسمحوا للاستفزاز أن يسرق منكم تركيزكم، ولا تتعجلوا إعلان النهايات قبل أن تقال الكلمة الأخيرة في الميدان.

لقد قالت شدة كلمتها بطريقتها؛ بثبات الأسود، وبإبداع الدبيب، وبحسم حازم، وبأصوات الجماهير التي حملت ذاكرتها إلى المدرجات، وبشهادة طارق قورتي الذي أعاد وصل لحظة التتويج بتاريخٍ يرى أنه أكبر من مباراة، وأبقى من نتيجة. وهكذا، لم تكن ليلة أمس ليلة كأس فحسب، بل ليلة ذاكرة وهوية وانتماء؛ ليلة التقى فيها جيل الأمس بجيل اليوم، واستعاد فيها التاريخ صوته، وكتب الأبطال سطرا جديدا في سجل شدة الرياضي.

مبارك لشدة كأس البطولة، ومبارك لأسودها هذا المجد المستحق، والتحية لقرقود على نهائي يليق بالكبار. فالكؤوس قد تستقر في الخزائن، وصور التتويج قد تتوارى مع مرور الأيام، لكن الليالي التي يولد فيها المجد من رحم التحدي تظل حية في الذاكرة؛ ترويها الأجيال، وتستعيدها المجالس، وتتناقلها القلوب كلما ذكرت شدة وأهلها.

شدة لا تحتفل بكأس فحسب؛ إنها تحتفل بتاريخٍ يتجدد، وراية تظل مرفوعة، وأجيال تؤمن بأن المجد لا يورث جاهزا، بل يصان بالعمل، وينتزع بالإرادة، ويكتب في الميدان. ثم تصدح شدة، بلسان أهلها وعنفوان أبطالها، بعبارتها التي تختزل الثقة وتختصر الحكاية : “وراصني يا جدع” وكأنها تقول إن للمجد أهله، وللكؤوس فرسانها، وإن من عرف طريق المنصات لا تربكه ضوضاء المنافسة، ولا تثنيه تحديات الطريق، بل يمضي مرفوع الرأس، ثابت الخطوة، حتى يبلغ غايته ويعانق الذهب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي