الخليفة عبد الله يعفو عن محمود زايد ويعيده إلى زعامة الضبانية

وهج اليراع
محمد هارون عمر
محمود عيسى زايد، زعيم قبيلة الضبانية الرفاعية في شرق السودان، بايع الإمام المهدي مبكرًا في قدير عام 1881م، وعيّنه المهدي أميرًا على قبيلته. لكن في عهد الخليفة عبد الله، تمرد على الحضور إلى أم درمان لتجديد البيعة، رغم محاولات الخليفة المتكررة لحثه على ذلك، فرفض وأبى الانصياع لأوامر المهدية.
وكان محمود زايد قد جمع ثروة كبيرة أثارت ريبة الخليفة. كما عُرف بالكرم، وكان صاحب أكبر قدح طعام في تاريخ السودان، حتى سارت بكرمه الركبان. وحين عجز الخليفة عن إقناعه بالمثول أمامه، أمر بالقبض عليه، فنفّذ الأمير عبد الله الطريفي الأمر في يناير 1886م، بعد أن استدرجه بحيلة ذكية تجنبًا لإراقة الدماء.
وقد صوّر الشاعر محمد أبو سن (الحردلو) تلك الحيلة بقوله:
«اكتب لي جواب يا صاحبي لا تنساني
ود زايد بقول ظاهر الكلام غشاني»
وبعد القبض عليه، سلّمه الطريفي إلى عوض الكريم كافوت، الذي سلّمه بدوره إلى عثمان دقنة، فبعثه مخفورًا إلى أم درمان في سبتمبر 1887م، حيث أُودع سجن الساير.
وعامله الخليفة معاملة حسنة، وأحضر أسرته من التومات. ثم تحوّل وضعه من السجن إلى الاعتقال التحفظي، فلزم الفروة، وانصرف إلى التربية الروحية، وحرص على أداء الصلوات في المسجد، وقراءة القرآن، وتلاوة راتب الإمام المهدي.
وظل الخليفة في حوار معه، إلى أن اقتنع أخيرًا بأن ود زايد قد تعمّق إيمانه بالمهدية، ولم يعد يشكّل خطرًا عليها. فقرر إطلاق سراحه وإعادته أميرًا على الضبانية عام 1890م.
وسرّ محمود زايد بالحرية سرورًا عظيمًا، وتحرك مع أسرته نحو القضارف. وعندما وصلها في أبريل 1890م، الموافق لشوال 1307هـ، احتفى به الأمير الزاكي طمل وأكرمه، ومنحه كمية كبيرة من الذرة، ليزرع الضبانية أراضيهم بعد المجاعة الطاحنة التي ضربت المنطقة.
وكانت المجاعة من العوامل التي دفعت الخليفة إلى الاهتمام بالزراعة، فعمل على استمالة الشكرية والضبانية وتشجيعهم على الإسهام في الإنتاج الزراعي بالمناطق الغنية التي ينتشرون فيها.
كما منح الزاكي طمل محمود زايد ختمًا خاصًا به، تقديرًا لمكانته الأميرية.
وكانت أولى خطوات محمود عيسى زايد بعد عودته جمع أفراد قبيلته ولمّ شملهم، بعدما تفرّقوا أيدي سبأ. وأرسل الزاكي طمل مناديب يبشرون الضبانية بعودة زعيمهم الكريم، ود زايد.
كذلك أرسل محمود زايد الضو الرانقي، أحد أعيان القبيلة، لإخطار الذين فرّوا إلى الحبشة بضرورة العودة إلى ديار الضبانية. وقد عاد كثيرون منهم، لكن مجموعة أخرى ظلت مترددة وممانعة، الأمر الذي دفع الزاكي طمل إلى إرسال حملة إلى منطقتي غبتة وغورة لقمع المترددين باستخدام القوة.
وحققت الحملة بعض النجاحات، ولم يبقَ خارج القبيلة سوى أعداد قليلة، ثم توالت عودة الفارين بصورة مطّردة، حتى اكتمل عقد الضبانية واجتمع شملهم من جديد.
وأخلص محمود زايد للمهدية بعد أن استعاد الاستقرار والطمأنينة، وعاد الضبانية إلى ممارسة النشاطين الزراعي والرعوي، في ظل الأمان الذي مُنح لهم.
وظلت علاقة ود زايد بالأمير الزاكي طمل ممتازة، حتى إنه طلب ذات مرة المشاركة في إحدى حملات الجهاد، لكن الأمير الزاكي طلب منه البقاء في قيادة الضبانية.
وكان محمود زايد سبّاقًا إلى إرسال الزكاة إلى بيت المال، ملتزمًا بذلك بإخلاص وتفانٍ.
وبعد وفاة الزاكي طمل في سجنه، خلفه الأمير أحمد علي الزاكي طمل في العمالة، وأوصاه الخليفة عبد الله بتقديم كل أوجه العون إلى ود زايد. واستمر هذا النهج حتى استشهاد الأمير أحمد علي في أغردات عام 1893م، خلال حربه ضد الإيطاليين.
وعلى الرغم من تعاقب الأحداث وتغيّر القيادات، ظلت العلاقة بين ود زايد والمهدية حميمة حتى نهاية الدولة المهدية عام 1898م.

