حوارات ومقالات

مجدي عبد القيوم (كنب) يكتب: البكاء أب نخجي ما بين منبر المسجد ومنصة القاعة

 

 

 

كبسولة اليوم

 

 

 

كتب/ مجدي عبد القيوم (كنب)

 

 

 

 

 

يا زول، قول باسم الله!

يا زول، استغفر!

هذه العبارات المألوفة هي جزء من طقوس المواساة لأي شخص دخل في نوبة بكاء هستيري جراء فقد عزيز، وقد ارتبطت في الذاكرة الشعبية السودانية بالوفاة، قبل أن تنتقل ظاهرة البكاء إلى منابر المساجد عند بعض الأئمة، كقمة بلوغ أعلى مراحل الخشوع لله جل وعلا، قبل أن تتحول إلى طقس عند بعض الأفاكين يستدرّون بها العطف أحياناً، أو لاستثارة الغرائز الفطرية.

وانتشرت الظاهرة إبان حقبة الإنقاذ، وكانت دائماً ما تعقب رواية عالية الحبكة الدرامية، أبطالها أحياناً القرود والغزلان، وربما في بعض الأحيان الظواهر الطبيعية، مثل الغيوم والسحب التي تهطل مطراً غزيراً «مخصصاً» من نوع المطر الذي رفضه الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري.

استشرت الظاهرة في منابر المساجد إبان حقبة حكم الإسلاميين، وربما تم استخدامها كآلية لاستدرار العواطف أو إثارة الغرائز بكثافة، خصوصاً إبان الحرب مع نصفنا الآخر، مصحوبة بقصص وحكايات من بنات أفكار مُعدّ الخطبة، ولا صلة لها بالواقع.

ومن المعلوم أن هذا ضرب من التصوير الدرامي يدخل في نطاق فن الخطابة على إطلاقه.

تحضرني هنا واحدة من الحكايات التي ارتبطت بالبكاء الهستيري، والمنسوبة إلى مُصلٍّ مصري خرج من الحرم بعد هكذا فاصل من الإمام، ولفت نظره عدد من السيارات الفارهة غالية الثمن في باحة المسجد، فتساءل عن صاحبها، فقيل له: هذه للإمام. فرد متسائلاً: «وطيب ببكي مالو  دا؟».

وكما أشرنا آنفاً، ارتبطت ظاهرة البكاء الهستيري بالمآتم السودانية، وأطلق عليها الموروث الشعبي مصطلح «البكاء أب نخجي».

يبدو أن الظاهرة انتقلت إلى ميدان جديد، بعد أن استشرت في منابر المساجد وأصبحت ظاهرة مألوفة لم تعد تثير الدهشة.

الجديد هو انتقال الظاهرة إلى القاعات التي تُقام فيها الندوات السياسية، مختزلةً المسافة الكبيرة ما بين المنبر والمنصة.

فقد شهدت ندوة تحالف صمود حالة نوبة من البكاء الهستيري، أو «البكاء أب نخجي»، دخل فيها أحد المتداخلين وهو يتحدث عن الديمقراطية. ولم أجد، كغيري من المتابعين، سبباً لبكاء هذا الرجل، لا من حيث السياق ولا ما تناوله في حديثه.

وقفزت إلى ذاكرتي صورة نوع الأئمة ممن أشرنا إليهم، وكما تساءل المصلّي المصري في الطرفة إياها، تساءلت في نفسي: ما الذي يُبكي هذا الرجل بهذا الشكل؟

وتمنيت حينئذٍ أن أكون متواجداً في القاعة لأواسيه على الطريقة السودانية:

يا زول، قول باسم الله!

مالك يا زول؟!

يا زول، استغفر!

قول: يا لطيف!

ياخ، ما ممكن يكون البكاء حار كدا، والميت (…)!

يا أستاذ، كدي اشرب ليك موية.

برّد جوفك.

النخجي دا بكتلك!

غسّل وشك…

مع إدراكي التام أن الرجل أصلاً، كبقية الرهط، «مغسّل وشو بي مرقة»، على قول المأثور الشعبي.

هذه الصورة اختزلت الفوارق بين منبر المسجد في عهد الإسلاميين الغيهب، ومنصة الخطابة في القاعة، لا من حيث الشكل فقط، بل كمحتوى ورسالة.

ولا فرق حقيقي بين الأنبياء الكذبة الذين يحجّون إلى كعبة أبي لهب، على قول الشاعر نزار قباني في قصيدته الأشهر «بلقيس».

فكلهم موظفون يأكلون ويرتشون ويعتدون على النساء، كما يريد أبو لهب.

ليت تلك الدموع لم تكن «دموع تماسيح»، على قول المأثور الشعبي.

لعل دهشتنا من تلك الدموع التي هطلت مدراراً حتى بلّلت أرضية القاعة، مثل دهشة شجرة الحراز التي استحالت ذهولاً، التي أبدعها الشاعر المهول الحاردلو في صورته الشعرية الأخّاذة:

«برق عبادي سوا الهول

بصدق أفعاله ما بالقول

روّى اليابس على المبلول

قلب فرح الحرازة ذهول»

حقيقة، لقد أصابني الذهول.

«كدي اتبنّوا الزول دا، لا يكون النخجي غتّس حجرو».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي