حوارات ومقالاتشؤون دوليةقضايا إفريقية

مجدي كنب يكتب: المجتمع الدولي وفزّاعة الأبيض

 

 

 

بقلم: مجدي عبد القيوم (كنب)

 

 

فجأة تذكّر ما يُسمّى بالمجتمع الدولي أن هناك مواطنين عُزّلًا في مدينة الأبيض، من المرجح أن يتعرضوا لانتهاكات من قبل مليشيا الدعم السريع حال تمكنها من اقتحام المدينة، وطالب السلطات السودانية بالاتفاق على هدنة إنسانية مع المليشيا المتمردة وفتح مسارات آمنة للمواطنين للخروج من المدينة.

تناسلت تصريحات المسؤولين الأمميين، بدءًا من الأمين العام للأمم المتحدة ومسعد بولس، وانتهاءً بـ”كرزاي السوداني”، رئيس متحور قحت.

ونشطت الغرف الإعلامية للمليشيا وحلفائها في الترويج لتلك الأكذوبة، في ظل القصف المتتابع للمدينة بالطائرات المسيّرة من قبل المليشيا المتمردة. ولعل هذا القصف نفسه يكشف عورة أدعياء الإنسانية، إذ لم يتصالح أيٌّ منهم مع نفسه، على الأقل، ويطالب المليشيا بإيقاف قصف المدنيين العزّل الذين يتباكى عليهم ويذرف عليهم الدمع الثخين.

ويبدو أن المجتمع الدولي يظن أن ذاكرة شعبنا ذاكرة سمكية، تناست موقفه المخزي من الحصار المطول الذي فرضته المليشيا على مدينة الفاشر قبل اقتحامها، بعد صمود أسطوري، وما تبع ذلك من فظائع وجرائم ارتكبتها المليشيا بعد استيلائها على المدينة، بينما ظل العالم يتفرج على تلك الفظائع.

وتطرح عدة أسئلة نفسها حول أسباب التحرك الأخير لأمريكا وحلفائها بشأن الأبيض.

وفي التقدير، فإن السبب الأساسي وراء هذا النشاط المكثف هو توصل أمريكا إلى قناعة تامة بفشل مشروع إخضاع السودان بالعمل العسكري. وقد كرّست هذه القناعة مؤشرات انهيار المليشيا وتفككها، والانقسامات التي طالت بنيتها، بعد الهزائم الساحقة التي ألحقها بها الجيش السوداني وكافة الفصائل التي تقاتل إلى جانبه، حتى بدا أن الإعلان عن الانتصار النهائي أصبح قاب قوسين أو أدنى، في ظل التقدم المضطرد للجيش في محاور العمليات المختلفة بكردفان والنيل الأزرق، وهو ما يجعل الجيش يقترب كثيرًا من الانقضاض على المليشيا في دارفور وسحقها تمامًا في معركته الفاصلة.

ولا شك أن المتغيرات على المسرح السياسي العالمي أسهمت في تغيير المشهد الداخلي لصالح البلاد، ولكن ذلك لا يقلل من جهود الشعب السوداني، بكافة قطاعاته، في هزيمة مشروع تفكيك الدولة والمضي على طريق التعافي.

وفي التقدير، فإن هذا الواقع الذي بدأ يتضح جليًا دفع حلفاء المليشيا المتمردة، إقليميًا ودوليًا، إلى محاولة إنقاذها حتى يتمكنوا من إعادة تدويرها كفاعل سياسي بعد فشلها عسكريًا. ويبدو أن السيد مسعد بولس يقوم بدور المحلل، وهو يحاول منح المليشيا المتمردة قبلة الحياة وهي تعاني سكرات الموت؛ لذا أسفر عن وجهه الحقيقي، ونزع قناع الدبلوماسية، وهو يعتلي منصة الإحاطة المزعومة، محاولًا تحويلها إلى فرصة كشفت أكثر مما أخفت من التواطؤ والافتقار إلى المصداقية.

وهذا الهدف الذي تبتغي أمريكا ووكيلها الإقليمي الوصول إليه تواجهه عدة عقبات؛ لذلك لجأت إلى فزّاعة الأبيض، عسى ولعل تتمكن من تمرير السيناريو.

لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: ما الأهداف الفرعية التي تسعى إليها أمريكا من التلويح بفزّاعة الأبيض؟

من الواضح أن المجتمع الدولي، أو بالأدق أمريكا وحلفاءها، يستخدمون الأبيض كفزّاعة لخدمة عدة أغراض، أهمها خلق حالة من البلبلة تؤدي إلى انخفاض الروح المعنوية في أوساط الشعب، بما يدفعه إلى تشكيل رأي عام يضغط على الحكومة لقبول مقترح الهدنة. وقد فات على هؤلاء أن الشعب السوداني يعرف مرامي وأهداف قوى الاستعمار، ويقف لها بالمرصاد، ولن تنطلي عليه الذرائع، وإن تدثرت بثوب الإنسانية المفتَرى عليها.

ويدرك شعبنا أن التركيز على الأبيض يمثل هدفًا استراتيجيًا للصوص العالم، باعتبارها من أهم مناطق الإنتاج والطريق الحيوي لصادرات البلاد. وبالتالي فإن السيطرة عليها تمكنهم مستقبلًا من السيطرة على موارد البلاد وخنقها اقتصاديًا، وتجعلها آنيًا ورقة ضغط شديدة الأهمية على طاولة المساومات التي يحلمون بها ويعدون لها. وما دروا أن شعب هذه البلاد اعتاد على تحويل أحلام أعدائه إلى كوابيس تفزع نومهم.

إن الشعب الذي اكتوى بنيران المليشيا، وخبر بطشها وتنكيلها، لن يوافق على أي هدنة تعيد الحياة إليها وهي تحتضر، بل يتأهب لإطلاق رصاصة الرحمة عليها، ليخلص العالم من شرور هذه العصابة الإجرامية، ويعطي درسًا لكفلائها الذين ما فتئوا ينشرون الخراب والدمار في العالم خدمةً لأهداف لصوص العالم الذين يعيشون على امتصاص دماء الشعوب.

ليس بيننا من يوافق على هدنة يا بولس، بل نستعد لمواراة جسد المليشيا الثرى، تصحبها وتصحبكم لعناتنا. ولا عزاء لكم وأنتم تنصبون سرادق العزاء، بينما يوقد شعبنا الشموع لتضيء ساحات الوطن العزيز، وهي تحتفي بالنصر المؤزر، وتغني:

في الفؤاد ترعاه العناية

بين ضلوعي الوطن العزيز.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي