سعد محمد عبدالله يكتب: حوار الأيدولوجيات وصراع المصالح في السودان ومصر

كتل/ سعد محمد عبدالله
تشهد الساحة الفكرية والإعلامية في السودان ومصر هذه الأيام حراكًا واسعًا ونقاشًا متجددًا حول قضايا العلمانية وعلاقتها بالدين والدولة والمجتمع، وقد برز هذا الجدل بصورة أوضح عقب إعلان توقف نشاط صالون حركة “علمانيون” في جمهورية مصر لأسباب إدارية ولوجستية، بعد خمسة عشر عامًا من العمل المتواصل في مجال الحوار والتنوير، وخلال تلك السنوات إستضاف الصالون نخبة مميزة من العلماء والمفكرين والأكاديميين والإعلاميين الذين أسهموا في إثراء النقاش العام حول قضايا الحرية والدولة المدنية والحداثة بمختلف أشكالها؛ غير أن قرار التوقف لم يُنظر إليه باعتباره حدثًا تنظيميًا فحسب، بل تحوّل إلى مناسبة لإعادة فتح منابر النقاش بشأن العلمانية وموقعها في الفضاءات العمومية وسط المجتمعات، الأمر الذي أدى إلى نشوب سجالات حادة وصلت، في بعض الأحيان، إلى حد التطرف بين تيارات إسلامية وعلمانية، وقد تجاوز بعضها حدود الإختلاف الفكري المألوف إلى مساحات واسعة من الإستقطاب والتضاد، وفي الوقت ذاته شهد السودان نقاشات مشابهة بين كُتّاب سياسيين وإعلاميين من قوى ذات خلفيات علمانية وأخرى ذات مرجعيات دينية أو طائفية، إلا أن طبيعة الجدل في السودان تختلف من حيث السياقات والأسباب والظروف السياسية التي تحكمه.
في الحالة السودانية تبدو الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد تصنيف الصراع ضمن ثنائية اليسار واليمين أو العلمانية والإسلام السياسي؛ فالتحالفات والمواقف السياسية الراهنة لا تقوم بالضرورة على أسس أيديولوجية خالصة، بل تحكمها في كثير من الأحيان إعتبارات المصلحة السياسية والظروف المرتبطة بالحرب القائمة حاليًا ومستقبل السلطة والدولة في المرحلة المقبلة؛ لذلك نجد أن أفرادًا وجماعات من مختلف المدارس الفكرية يتدافعون على عتبة المسرح السياسي ويقفون في صفوف الحكومة أو المعارضة وفق تقديرات سياسية متباينة، تصل أحيانًا إلى حد التضاد والتنافر، بينما تتداخل خيوط قضايا الحداثة والديمقراطية والحقوق المدنية مع إعتبارات الهوية والإنتماء الجهوي والقومي؛ كما تضم الساحة السياسية خليطًا واسعًا من أطياف الفاعلين، من أبناء المركز والهامش، ومن الثوار وشاغلي مواقع السلطة الحالية، بما يجعل المشهد أكثر تشابكًا وتعقيدًا من أن يُختزل في توصيف فكري أحادي، ومن هنا فإن الجدل الدائر الآن لا يرتبط فقط بالمدارس الفكرية ومفاهيم الثورة أو السلطة؛ لأن كثيرًا من الأطراف المتقابلة تتشارك في عدد من المبادئ العامة، لكنها تختلف في تحالفاتها وتفسيراتها وتطبيقاتها، وأيضًا في الوسائل التي تراها مناسبة لتحقيق تطلعاتها.
على الرغم من حدة التراشق الإعلامي الذي تشهده الصحف والمنصات الرقمية بين مختلف التيارات الفكرية والسياسية، فإن النقاش القائم يثير أسئلة جوهرية تتعلق بضرورة تحديد طبيعة العلاقة بين الدين والدولة والسياسة والفنون والعلوم والمعارف الإنسانية، حتى يُزال مزيد من الضباب عن الفضاء العام؛ فالمطلوب ليس الدخول في صراع بين هذه المجالات أو السعي إلى إقصاء أحدها لصالح الآخر، بل البحث عن صيغة متفق عليها تضمن إحترام قدسية الأديان باعتبارها منظومات روحية وأخلاقية راسخة لدى المؤمنين بها، وفي الوقت نفسه تتيح للسياسة والعلم والمعرفة أن تؤدي أدوارها الطبيعية بوصفها مجالات إنسانية وكونية متغيرة تخضع لعمليات البحث والنقد والمراجعة والتطوير المستمر، وهذا الفصل الوظيفي لا ينتقص من قيمة الدين ولا يقلل من أهمية السياسة، بل يساعد على فض الإشتباك القائم وحماية المجالين معًا من التوظيف الخاطئ، ويفتح الباب أمام بناء مؤسسات وطنية أكثر قدرة على الإستجابة لتحديات العصر الجديد وتحقيق التوازن بين متطلبات الإيمان وضرورات الإدارة الحديثة للدولة والمجتمع.
إن مستقبل المجتمعات الإفريقية، بما فيها السودان، يرتبط إلى حد كبير بقدرتها على تطوير عقد إجتماعي وسياسي جديد يقوم على قواعد المواطنة المتساوية والحقوق والحريات وسيادة حكم القانون والعدالة الإجتماعية والتنمية المتوازنة في الريف والمدينة، وفي هذا الإطار يصبح الحوار الفكري ضرورة لا غنى عنها، بعيدًا عن لغة التخوين والإقصاء والإستقطاب؛ فالقضايا المتعلقة بالسلام والتنمية وتوزيع السلطة والثروة وحماية الحقوق السياسية والمدنية لا يمكن معالجتها من خلال الشعارات وحدها، وإنما تعالج عبر الإستناد إلى مناهج المعرفة العلمية والخبرة الإنسانية والتجارب التاريخية الناجحة؛ كما أن الجدل المتواصل حول العلمانية والدين والدولة يطرح سؤالًا أساسيًا يتعلق بمدى قدرة مختلف التيارات على إدارة خلافاتها القديمة والمستجدة وفق قواعد العقلانية والمنطق والإحترام المتبادل؛ فالتقدم الإنساني لم يتحقق في كثير من دول العالم إلا عندما نجحت المجتمعات في الإحتكام إلى الحوار الموضوعي والعلوم والمعارف التي طورت منها فلسفات متجددة في تنظيم شؤونها الدنيوية، مع الحفاظ على حق الأفراد في معتقداتهم وقيمهم الروحية، ومن ثم فإن بناء دستور قومي يعبر عن التنوع الثقافي والديني والفكري للشعوب الإفريقية يظل أحد أهم الشروط اللازمة لتحقيق الإستقرار والتنمية وصناعة مستقبل أكثر عدالة وإنفتاحًا للجميع.

