محمد بن مصطفى سنكري يكتب.. إشكالية التناوب السلمي على السلطة في إفريقيا

إشكالية التناوب السلمي على السلطة في إفريقيا
منذ عدة عقود، تظل قضية التداول السلمي على السلطة واحدة من أكبر التحديات الديمقراطية التي تواجه القارة الإفريقية. ففي الوقت الذي تتطلع فيه الشعوب الإفريقية إلى بناء مؤسسات قوية، وتحقيق الحوكمة الرشيدة، وتجديد النخب السياسية، يواصل بعض رؤساء الدول تعديل الدساتير أو توظيف مبررات سياسية من أجل البقاء في الحكم لفترات أطول.
ومن بين أكثر الحجج التي تتكرر على ألسنة هؤلاء الرؤساء عبارة أصبحت مألوفة: “إذا طلب مني الشعب الترشح لولاية ثالثة فسأستجيب لذلك.”
وهي حجة يعتبرها كثير من المراقبين واهية، لأنها غالباً ما تُستخدم لتبرير تعديل الدساتير وإضعاف الآليات الديمقراطية.
الولاية الثالثة: إغراء دائم
لقد تم اعتماد تحديد الولايات الرئاسية في عدة دول إفريقية بهدف منع الانحرافات السلطوية ووقف ظاهرة الرؤساء الأبديين. غير أن بعض القادة اختاروا، مع مرور الوقت، الالتفاف على القوانين أو تعديل قواعد اللعبة السياسية.
لكن هذه الاستراتيجية لم تنجح دائماً.
الذين فشلوا في مغامرة الولاية الثالثة
في النيجر، حاول الرئيس مامادو تانجا تمديد حكمه عبر تعديل الدستور، الأمر الذي تسبب في أزمة سياسية حادة انتهت بسقوطه سنة 2010 إثر انقلاب عسكري.
وفي غينيا، قام الرئيس ألفا كوندي أيضاً بتعديل دستوري سمح له بالترشح لولاية ثالثة رغم المعارضة الشعبية الواسعة، وهو ما أدى إلى تصاعد التوترات السياسية والاجتماعية، قبل أن يطيح به الجيش سنة 2021.
وتُظهر هذه الأمثلة أن المساس بمبدأ التداول على السلطة قد يؤدي إلى إضعاف المؤسسات وفتح الباب أمام عدم الاستقرار.
الذين نجحوا في إطالة بقائهم في الحكم
في المقابل، تمكن بعض القادة الأفارقة، حتى الآن، من الحفاظ على السلطة رغم الانتقادات الداخلية والخارجية.
ففي الكاميرون، لا يزال الرئيس بول بيا واحداً من أقدم رؤساء الدول في إفريقيا، بعد إلغاء تحديد الولايات الرئاسية.
وفي الكونغو برازافيل، قام الرئيس دينيس ساسو نغيسو كذلك بتعديل الدستور لمواصلة حكمه.
أما في كوت ديفوار، فقد دافع الرئيس الحسن واتارا عن فكرة أن الدستور الجديد أعاد احتساب الولايات من الصفر، مما سمح له بالترشح من جديد.
وفي إفريقيا الوسطى، يسير الرئيس فوستان تواديرا في الاتجاه نفسه من خلال تعزيز سلطات السلطة التنفيذية.
وفي جيبوتي، يواصل الرئيس إسماعيل عمر غيله حكم البلاد بعد إصلاحات سياسية مكّنته من البقاء في السلطة لفترة طويلة.
ويرى أنصار هؤلاء القادة أنهم يمثلون الاستقرار السياسي، بينما يعتبرهم خصومهم رمزاً لإضعاف الديمقراطية واحتكار السلطة، كما يرون فيهم مثالاً للاستبداد والمحسوبية والرشوة والخوف من مغادرة سدة الحكم خشية المحاسبة بعد ترك السلطة.
النماذج الإفريقية في التداول الديمقراطي
ورغم هذه التوجهات، توجد عدة دول إفريقية تقدم اليوم نماذج مشجعة في احترام قواعد الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة.
فـتُعد غانا من أبرز النماذج الديمقراطية في القارة، حيث تتم فيها عمليات التداول السياسي بشكل سلمي ومنتظم، وتحظى بقبول مختلف الأطراف السياسية.
كما ظلّت بوتسوانا، لسنوات طويلة، مرجعاً ديمقراطياً بفضل تقاليدها التعددية وانتقالاتها السياسية السلمية.
أما بنين، فتبقى مثالاً مهماً للاستقرار المؤسساتي في إفريقيا الفرنكوفونية، حيث شهدت عدة تداولات سياسية عبر صناديق الاقتراع.
وتؤكد هذه الدول أن الاستقرار لا يتحقق بالتمسك الأبدي بالسلطة، بل ببناء مؤسسات قوية واحترام الإرادة الشعبية.
التداول السلمي ضرورة لمستقبل إفريقيا
إن إفريقيا اليوم بحاجة إلى مؤسسات قوية، لا إلى رجال أقوياء. فالتداول الحقيقي على السلطة لا يعزز الديمقراطية فحسب، بل يساهم أيضاً في ترسيخ الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسساتهم.
إن احترام الدساتير، وتحديد الولايات الرئاسية، وتنظيم انتخابات نزيهة، كلها ركائز أساسية لبناء حوكمة سياسية سليمة ومستدامة.
ويبقى مستقبل الديمقراطية في إفريقيا مرتبطاً بقدرة القادة الأفارقة على إدراك أن السلطة ليست ملكية شخصية، بل مسؤولية مؤقتة لخدمة الشعوب.
إن المحاولة الأخيرة لتعديل الدستور في جمهورية الكونغو الديمقراطية، من قِبل رئيسٍ عارض أسلافه في المحاولة نفسها، تعزز حالة عدم الثقة بين الشعوب الإفريقية ورؤسائها بشأن الالتزام بمبادئ التداول السلمي على السلطة والحوكمة الرشيدة.
#محمد بن مصطفى سنكري
باحث في الشؤون السياسية الإفريقية ومنطقة الساحل

