حوارات ومقالات

سعد محمد عبد الله يكتب: الطريق نحو السودان الجديد.

 

 

كلما أطل شهر مايو، تدافعت الذكريات في وجدان الرفاق في كل مكان، وهم يحملون رايات السودان الجديد، مستحضرين وجوه المناضلين الذين رحلوا عن عالمنا هذا بعد أن تركوا بصماتهم واضحة في مسيرة الكفاح الوطني. وقد خطّ التاريخ أسماءً خالدة لرجال ونساء وهبوا أرواحهم لقضية التحرر والعدالة والسلام، وآمنوا بأن السودان لا يمكن أن ينهض إلا عبر مشروع وطني جديد يقوم على المساواة والمواطنة بلا تمييز.

ومن رحم معاناة الريف السوداني الواسع وُلدت أفكار الثورة السودانية الحديثة التي جعلت من الإنسان المهمش محورًا للنضال السياسي والفكري، وقد شكّلت الحركة الشعبية مدرسة متكاملة في مقاومة الإقصاء وبناء الوعي الوطني، حيث امتزج فيها العمل الثوري بالإنتاج الفكري والثقافي، فأصبحت تجربة سياسية ألهمت أجيالًا كاملة من الشباب المؤمن بقيم الحرية والعدالة. وما تزال هذه المبادئ حاضرة في قلوب وعقول السودانيين الذين يحلمون بوطن يسع الجميع دون فرز أو تمييز.

هناك شخصيات وطنية من قيادات الحركة الشعبية والجيش الشعبي، أحياءً وأمواتًا، ستبقى خالدة ما بقي السودان، لأن سيرتها ارتبطت بقيم التضحية والصمود والإيمان بحق الشعوب في الحياة الكريمة. وعندما نقرأ تاريخ الثورة السودانية الممتدة، نجد صفحات مضيئة تحكي عن رجال ونساء حملوا قضايا الهامش إلى مركز الفعل السياسي والثوري، ووقفوا بثبات أمام أنظمة القمع والحروب الطويلة.

واستحضار هذه التجارب ليس مجرد وفاء للماضي، بل هو ضرورة أخلاقية وسياسية لتعليم الأجيال الجديدة معنى الالتزام بالمشروع الوطني؛ فالكفاح الحقيقي لا يقوم على الشعارات وحدها، بل على الانضباط والإيمان العميق بقضايا الناس، وقدرة التنظيم على تحويل المعاناة إلى أمل.

وما يزال الشعب السوداني، رغم الحرب والفقر والانهيار، يعلّق آمالًا كبيرة على الحركة الشعبية والقوى الوطنية التي تؤمن بمشروع السودان الجديد، ويُنتظر منها أن تعود اليوم إلى منصة الحوار الموضوعي والمسؤول، لتقديم رؤية واضحة للمستقبل، وتؤسس لدولة الحرية والسلام والديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي حلم بها الشهداء والمناضلون.

لقد مضى السادس عشر من مايو، كما مضت شهور وأعوام كثيرة مثقلة بالأزمات، لكن رفاقنا، كسائر السودانيين، ما يزالون يسيرون على طريق النضال الطويل من أجل تحقيق حلم السودان الجديد. فقد خضنا، مع طيف واسع من القوى الوطنية، تجارب سياسية قاسية، وتم توقيع اتفاقية جوبا لسلام السودان باعتبارها خطوة مهمة لمعالجة جذور الأزمة السودانية، خاصة القضايا المتعلقة بالمهمشين من الرعاة والرُّحّل والمزارعين والنازحين واللاجئين والشباب والنساء والأطفال، إضافة إلى قضايا الجيش الشعبي التي خُصص لها بروتوكول الترتيبات الأمنية.

غير أن استمرار الحرب الحالية عمّق معاناة كل هذه الفئات، وجعلها تواجه أوضاعًا إنسانية مأساوية، لكنها ما تزال تناضل بقوة من أجل قضايا السلام والتنمية والعدالة الاجتماعية. فبناء السودان الجديد لن يتحقق إلا بوجود إرادة جماعية تؤمن بأن الوطن ملك لجميع أبنائه دون إقصاء أو تهميش، وأن التنمية المتوازنة والحريات العامة والخاصة تمثل أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي.

ولذلك فإن الواجب الوطني اليوم يفرض على الجميع النهوض معًا لاستكمال تنفيذ اتفاقية جوبا لتحقيق السلام، والعمل من أجل تأسيس دولة تحقق الكرامة والعدالة لكل السودانيين.

أجريت تصحيحًا للإملاء وعلامات الترقيم وبعض الصياغات مثل: «إمتزج» إلى «امتزج»، «إستمرار» إلى «استمرار»، «الإلتزام» إلى «الالتزام»، مع تحسين مواضع الفصل والوصل لتصبح المادة أكثر سلاسة واحترافية للنشر الصحفي أو كعمود رأي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي