محمد عبدالله الشيخ يكتب: الزكاة دروب عُبِّدت.. وعشمٌ منتظر

نصف رأي
الزكاة ما بين التكريم ووثيقة العهد دروب عُبِّدت.. وعشمٌ منتظر
مجتمعٌ يعرف الوفاء، ويُنزل الرجال منازلهم.. هكذا تحدثت المناسبة، وتكلّم لسان الحال بما هو أبلغ من لسان المقال. كانت لحظات تكريم مولانا أحمد إبراهيم عبدالله، الأمين العام السابق لديوان الزكاة، وتسليم وثيقة العهد للدكتور يحيى أحمد عبدالله القمراوي، الأمين العام الجديد، لحظةً احتشدت فيها كل الطرق الوعرة والمسافات الطويلة التي عبرها الرجل بديوان الزكاة؛ أعطى وأبلى بمقاس حجم الأزمة الشائكة وعمقها، وضيق الخيارات وما يشبه الانسداد.
لكن عزائم الرجال، وإيمانهم بدورهم، واصطفافهم حول قيادتهم بروح الفريق، وحجم التحدي، وروح المسؤولية، وإلحاح الظرف، وصدق النوايا، كان بها العبور فوق كل المنعرجات بمهارةٍ وحذقٍ وإجادة. فمخرت سفينة الزكاة عباب الأمواج والرياح، ولم ترتطم بصرخة، ولم يعيقها شلال. أخلصت النوايا، ويسّر الله العبور، فولجت الزكاة إلى كل شأنٍ في نطاق المسؤولية والتكليف، ومضت نحو الإحسان.
لم يخسر الرهان عليها مسؤول، ولم يفتقدها موطنٌ كان يتوجب حضورها فيه. كانت رقماً لا تخطئه عين، ولا ينكره إلا جاحد. ففي معركة الكرامة لم تُخيّب عشم الفقراء، ولم تُدر عنهم وجهها متعللةً بنقص الوعاء، رغم أن الفتق اتسع بما يعجز عن رتقه. لكن ليس على الديوان، فهو الملاذ الآمن للفقراء والمساكين، وسيظل عصا الدولة التي تتوكأ عليها، وتهش بها على الملمات والفواجع وظلمات الفقر والعَوَز، حمايةً للمجتمع وذوداً عن حياضه من المحن والأحن.
وفي الزمن الذي أناخ بليله الطويل على رقيقي الحال، كان ديوان الزكاة السند والعضد. أفزعت كريهة الحرب الآمنين، وشرّدتهم، وأفقدتهم سبل العيش الكريم ودفء الديار وريحة ترابها، فكان ديوان الزكاة الحل، بلا منٍّ ولا أذى. جفّت المشافي، ونضب معينها من دواءٍ منقذ، أو إسعافٍ لمصابٍ في معركة الكرامة، أو جهازٍ طبي لتشخيص حالة، أو غسل كلى لمريض يتلوّى من الألم، فكانت الزكاة في الموعد، تسد كل ثغرة، وتفتح نوافذ الأمل.
آوت الفارين، وأطعمتهم بحضورها في التكايا ودور الإيواء، وتعهدتهم حتى العودة الآمنة عبر آلاف الرحلات من داخل البلاد وخارجها. وحتى إذا أدركهم رمضان الكريم، جاءت الزكاة موسماً للبذل، تحت شعار: (بعبادةٍ تتجدد وعطاءٍ يتمدد)، فكان رمضان شهر الزكاة عطاءً، وشهر الله أجراً وثواباً.
وتحت كل هذه اللافتات، وظلالها الوارفة، وما أظلّت من ملايين المستحقين بتعدد شرائحهم، تنتقل التركة المثقلة والمسؤولية ممن أعطى وأبلى، إلى من تعهّد ونذر نفسه للتصدي، ودقّ صدره، واضعاً نصب عينيه تطورات الزمان، ونذر المآل، وما تحتاجه المرحلة من دراية ودُربة. أو هكذا أعلن الدكتور يحيى أحمد عبدالله القمراوي لدى فاتحة لقاءاته بالعاملين، وهو يرسل العديد من الإشارات والبشارات في كل ما يلي شأن الشعيرة؛ موردها البشري، ما له وما عليه، وجبايتها حاضرها ومستقبلها، ومصارفها راهن حالها ومستقبل مآلها.
فدلّل بذلك وطمأن أنه لم يقفز إلى الموقع أو يأتِ على حين غرة، بل جاء انتقاله وصعوده ممرحلين عبر جغرافية البلاد وتاريخ الشعيرة، من المولد إلى الموعد، مما جعله يجلس على زاوية مشهدٍ مطلة على كامل الصورة بأبعادها وإحداثياتها.
لذلك، فإن ما أقدمت عليه تنسيقية نقابة العاملين بديوان الزكاة من تكريمٍ للأمين السابق، وتواثقٍ وتعاهدٍ مع خلفه، لم يكن مجرد أوراق ولوحات جميلة وأنيقة، بل كان استحضاراً لسيرةٍ ومسيرةٍ بكل مراحل تطورها وتداول أمرتها؛ شكرٌ وثناءٌ للسلف، وإسنادٌ وعضدٌ للخلف:
أن امضِ إلى آفاق الإنجاز، ونحن معك، لن نترك جهداً، ولن نبخل عليك بوسع. امضِ مسنود الظهر، محمي القفا، نعبد من خلفك دروب البذل والعطاء، نتجدد ولا نتبدد، لا نسأم ولا نمل ولا نألم.
امضِ، وأمامك نار القرآن ونوره الذي أوقدته الزكاة بعد أن كادوا ليطفئونه، فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كرهوا.
امضِ، وخيلنا مسرجة، وأقلامنا مشرعة عبر آلاف الأميال التي عبدتها الزكاة عطاءً.

