مناوي يحذر من تكريس سلطتين في السودان ويرفض ربط الإغاثة بهدنة غير مضمونة

حاكم دارفور يدعو إلى حوار وطني شامل ويحذر من مخاطر الاعتراف بـ«دولة التأسيس»
الخرطوم/ خالد الفكي
رفض حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة جيش تحرير السودان، مني أركو مناوي، ربط إيصال المساعدات الإنسانية إلى السودان بإعلان هدنة لا تتوافر لها، بحسب قوله، ضمانات كافية، محذراً من أن الاعتراف بما يُعرف بـ«دولة التأسيس» و«حكومة التأسيس» قد يقود إلى تكريس ازدواجية السلطة وتهديد وحدة البلاد. ودعا مناوي إلى حوار وطني شامل يعالج الاختلالات البنيوية في مؤسسات الدولة، وينهي وجود القوات المسلحة خارج الأطر الرسمية، مؤكداً أن أي تسوية سياسية مستدامة ينبغي أن تنطلق من إرادة السودانيين، لا من ترتيبات تفرضها الأطراف الخارجية، وذلك في وقت تتفاقم فيه احتياجات النازحين وتتزايد المخاوف من تدهور الأوضاع الإنسانية.
الإغاثة والهدنة
وقال مناوي إن السودان أتاح حدوده ومطاراته ومعابره أمام المنظمات الإنسانية خلال السنوات الثلاث الماضية، مؤكداً استعداد الحكومة لتسهيل وصول المساعدات إلى المناطق الخاضعة لسيطرتها، وتلك التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، إلى جانب المناطق الأخرى المأهولة بالسكان.
وتساءل عن جدوى اشتراط إعلان هدنة لإيصال الغذاء والمساعدات، في ظل ما وصفه بانفتاح البلاد أمام عمليات الإغاثة عبر المنافذ الجوية والبرية والبحرية. ودعا المنظمات الأممية الكبرى إلى الاضطلاع بمسؤولياتها تجاه المتضررين من الحرب، وعدم إخضاع العمل الإنساني لترتيبات سياسية أو أمنية لا تحظى بضمانات واضحة.
وأشار إلى اكتظاظ معسكرات النازحين وتراجع معدلات الأمطار خلال العام الحالي، محذراً من انعكاسات ذلك على الأوضاع المعيشية والاحتياجات الإنسانية. وفي المقابل، اتهم جهات لم يسمّها بالسعي إلى توظيف إعلان المجاعة لتهيئة الظروف أمام تدخلات دولية، من دون أن يقدم أدلة تدعم هذا الاتهام.

وجدد مناوي رفضه توقيع اتفاقات مع قوات الدعم السريع، قائلاً إن أكثر من 60 في المائة من عناصرها أجانب، وفق تقديره، ومشككاً في جدوى إبرام اتفاقات مع من وصفهم بالمقاتلين الأجانب داخل الأراضي السودانية.
ازدواجية السلطة
وحذر مناوي من الاعتراف بـ«دولة التأسيس» و«حكومة التأسيس»، معتبراً أن التعامل معهما بوصفهما كيانين شرعيين قد يكرّس واقعاً سياسياً منقسماً، ويمهد لوجود سلطتين متنافستين، بما يهدد وحدة السودان وسيادته.
واستشهد بتجارب الصومال واليمن والصحراء الغربية للتحذير من تداعيات تعدد السلطات والكيانات السياسية، مشدداً على أن استقرار السودان يتطلب إنهاء وجود المليشيات خارج المؤسسات الرسمية، وإخضاع السلاح لسلطة الدولة، بدلاً من فرض وقائع سياسية وعسكرية بالقوة.
وقال إن وجود المليشيات أسهم في إشعال الحروب وتدهور الأوضاع، رافضاً ما وصفه بـ«دولة المليشيا»، ومؤكداً أن التحركات العسكرية ينبغي أن تستهدف استعادة الأمن وحماية مؤسسات الدولة، لا إقامة سلطات موازية أو فرض ترتيبات سياسية خارج الأطر الرسمية.
وفي ما يتعلق بالقوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، أوضح مناوي أن مشاركتها تستند إلى ترتيبات انتقالية نص عليها اتفاق جوبا لسلام السودان، وحددت فترة 39 شهراً لتنفيذ الترتيبات الأمنية. وأضاف أن التعديلات الدستورية الأخيرة، بحسب قوله، عالجت الوضع القانوني لهذه الترتيبات، مشيراً إلى أن الهدف النهائي يتمثل في دمج القوات المعنية في المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية.

إرث المؤسسات
وفي تشخيصه لجذور الأزمة السودانية، أرجع مناوي جانباً من الاختلالات السياسية والعسكرية إلى طبيعة المؤسسات التي ورثها السودان عن الحقبة الاستعمارية، قائلاً إن المؤسسات المدنية والعسكرية والأهلية استمرت في العمل وفق هياكل ومناهج لم تشهد، بعد الاستقلال، قطيعة جذرية مع إرثها السابق.
وأضاف أن استمرار إدارة الدولة بآليات لم تُصمم، بحسب وصفه، لخدمة مشروع وطني متكامل أسهم في تعميق الأزمات وإضعاف قدرة المؤسسات على الاستجابة لمصالح المجتمع.
وانتقد حصر المفاوضات والعملية السياسية في نطاق ضيق من النخب، داعياً إلى حوار وطني ينطلق من القواعد الاجتماعية ويشمل مختلف مكونات الشعب السوداني، بما فيها القوى السياسية والمجتمعات المحلية والقطاعات التي ظلت بعيدة عن دوائر صنع القرار.
ورأى أن تكرار الانهيارات السياسية يرتبط بانفصال النخب الحاكمة والمتفاوضة عن القواعد الاجتماعية الأوسع، محذراً من أن أي تسوية لا تعالج الاختلالات البنيوية ولا تضمن مشاركة حقيقية لمكونات المجتمع السوداني ستظل عرضة للانتكاس والعودة إلى الصراع.

وشدد على أن تجاوز الأزمة يتطلب إعادة النظر في أسس إدارة الدولة، ومعالجة أوجه الخلل في المؤسسات، ووضع ترتيبات تضمن مشاركة أوسع في صياغة مستقبل البلاد، بدلاً من الاكتفاء بتفاهمات محدودة بين القوى المتنافسة.
المبادرات الخارجية
وفي شأن المبادرات الدولية والإقليمية، ميّز مناوي بين الأدوار الأمنية والعسكرية التي قال إن «الرباعية» تركز عليها، والمسارات السياسية التي تتناولها آليات أخرى، من بينها «الخماسية»، التي أشار إلى ارتباطها بمنظمات إقليمية ودولية.
وأقر بإمكان إسهام هذه الآليات في توفير منصات للحوار ودعم العملية السياسية، لكنه أكد أن نجاح أي تسوية يظل مرهوناً بامتلاك السودانيين قرارهم الوطني وتحديد مستقبل دولتهم بأنفسهم.
وانتقد توظيف المؤسسات العسكرية والأحزاب السياسية لتحقيق مصالح ضيقة، معتبراً أن تداخل الحسابات السياسية والعسكرية أضعف أداء المؤسستين وأسهم في إنتاج حلول هشة لم تصمد أمام الأزمات المتعاقبة.
وأكد أن معالجة الأزمة تستوجب إطلاق حوار وطني جامع يحدد مستقبل القوات المسلحة، وينظم العلاقة بين المؤسسات العسكرية والمدنية، ويضع أسساً واضحة لإدارة الدولة، بما يمنع ازدواجية السلطة والسلاح.

واختتم مناوي مواقفه بالتشديد على ضرورة اضطلاع المنظمات الإنسانية بمسؤولياتها تجاه المتضررين من الحرب، بالتوازي مع إطلاق مسار سياسي سوداني شامل يعالج جذور الأزمة، ويحافظ على وحدة البلاد وسيادتها، ويؤسس لتسوية تستند إلى مشاركة السودانيين وإرادتهم الوطنية.

