ثقافة وفنون

مكنز القانون الدولي.. حين تصنع علوم المكتبات جسورا بين المعرفة والقانون

 

كتب/ السمؤل محمد إبراهيم

في زمن تتسع فيه دوائر المعرفة حتى تكاد تتجاوز قدرة الإنسان على الإحاطة بها، لم تعد قيمة المعرفة في وفرتها فحسب، بل في حسن تنظيمها، ودقة تمثيلها، وسهولة الوصول إليها واستثمارها. ومن هنا تتجلى أهمية المكانز المتخصصة بوصفها من أرقى الأدوات العلمية التي ابتكرتها علوم المكتبات والمعلومات لتنظيم المعرفة، وضبط مصطلحاتها، والكشف عن العلاقات التي تنتظم مفاهيمها. فالمكنز ليس مجرد قائمة من المصطلحات أو قاموس للمفردات؛ بل هو خريطة معرفية ترسم مسارات الوصول إلى المفهوم، وتربط بين المصطلحات المتقاربة والمتباينة، وتكشف عن العلاقات الهرمية والموضوعية بينها، بما يجعل المعرفة أكثر انضباطا، والبحث أكثر دقة، والوصول إلى المعلومة أكثر كفاءة. وتزداد قيمة المكانز حين تتصل بتخصصات دقيقة، كالقانون الدولي، حيث تتشابك المفاهيم، وتتعدد المصطلحات، وتتداخل اللغات، ويصبح ضبط المفردة العلمية جزءًا أصيلًا من ضبط المعرفة ذاتها.

وفي هذا السياق تأتي تجربة الدكتور حسب الرسول علي الفكي عثمان، أحد المتخصصين في مجال المكتبات والمعلومات، بوصفها نموذجا مضيئا للدور الذي يمكن أن يضطلع به أخصائي المكتبات والمعلومات حين يتجاوز الدور التقليدي في إدارة مصادر المعرفة إلى المشاركة الفاعلة في صناعة المعرفة وتنظيمها وإنتاج أدواتها. فالعالم في علوم المكتبات والمعلومات ليس حارسا لأرفف الكتب فحسب، ولا وسيطا بين القارئ والمعلومة وحسب؛ بل هو، في جوهر مهمته، مهندس للمعرفة، يبحث عن بنيتها، ويستكشف علاقاتها، ويضع لها أنظمة تجعلها أكثر قابلية للاكتشاف والاسترجاع والإفادة. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى مشروع «مكنز القانون الدولي» باعتباره ثمرة ناضجة لهذا الفهم المتقدم للمهنة والاختصاص.

في مناسبة علمية لافتة، دشن الدكتور حسب الرسول مؤلف “مكنز القانون الدولي : عربي – إنجليزي” في نسخته الإلكترونية وطبعته الثانية، في الرياض، عاصمة العلم والثقافة، ومدينة الرؤية التي تمضي بثقة نحو صناعة المستقبل المعرفي، وذلك في قاعة المملكة للأطباء، في مناسبة علمية رفيعة جمعت نخبة من الأكاديميين والمختصين والمهنيين في مجالات المكتبات والمعلومات والقانون والمعرفة بمفهومها الأوسع، في مشهد التقت فيه الخبرة الأكاديمية بالممارسة المهنية، وتجاورت فيه التخصصات لتحتفي بمشروع معرفي طموح. وهكذا غدت المناسبة أكثر من مجرد تدشين لمؤلف؛ بل احتفاء بالعلم حين تتسع له المدن، وبالمعرفة حين تجد في عاصمة الرؤية فضاء رحبا للحضور والتفاعل والأثر.

ولعل أهم ما يميز هذا العمل أنه لا يقدم نفسه بوصفه كتابا تقليديا يضاف إلى رفوف المكتبات، وإنما بوصفه أداة معرفية متخصصة تسعى إلى تنظيم المصطلح القانوني الدولي وإتاحة مسارات أكثر وضوحا للباحثين والدارسين والممارسين. وقد عبر الدكتور حسب الرسول، خلال التدشين، عن سعادته بوصول مؤلفه إلى هذه المرحلة، موضحا أن “مكنز القانون الدولي” لم يكن مجرد كتاب، وإنما حصيلة رحلة علمية طويلة، قامت على البحث الدؤوب، والتأمل، والمراجعة، والتطوير المستمر، حتى بلغ صورته الحالية.

وهنا تكمن قيمة العمل؛ فالمشروعات العلمية الكبرى لا تقاس بعدد صفحاتها، وإنما بحجم الجهد المعرفي الذي تختزنه، وبقدرتها على معالجة إشكالية حقيقية في مجالها، وبما تفتحه من آفاق جديدة أمام الباحثين.

إن التقاء علوم المكتبات والمعلومات بالقانون الدولي في مشروع واحد ليس أمرا عابرا؛ فكلتا المعرفتين تتعاملان مع الدقة، والمفهوم، والمصطلح، والعلاقات بين المفردات، وإن اختلفت أدواتهما وغاياتهما. وفي القانون، قد تحمل الكلمة الواحدة دلالة دقيقة لا تحتمل الالتباس، وقد يؤدي اختلاف المصطلح أو ترجمته إلى اختلاف في الفهم والتفسير. وفي علوم المعلومات، يمثل ضبط المصطلحات أساسا لبناء نظم الاسترجاع الموضوعي، وتحسين البحث، وربط الوثائق والمصادر ذات الصلة. ومن هنا يصبح المكنز المتخصص جسرا بين اللغة والمفهوم، وبين الوثيقة والباحث، وبين المعرفة المتناثرة والبنية العلمية المنظمة.

كما تكشف هذه التجربة ايضا عن صورة أكثر اتساعا لمهنة المكتبات والمعلومات؛ صورة لا تحصر المتخصص في نطاق الفهرسة والتصنيف والإعارة وإدارة المجموعات، بل تراه شريكا في إدارة المعرفة وبنائها وتمثيلها وإتاحتها. وهذا التحول يعكس تطورا جوهريا في علوم المكتبات والمعلومات؛ فمع الانفجار الهائل في حجم الإنتاج المعرفي، لم تعد المشكلة في غياب المعلومات، وإنما في وفرتها الهائلة، وتشتتها، وصعوبة الوصول إلى المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب.

وهنا يظهر دور المتخصص الحقيقي : أن يحول الفوضى المعرفية إلى نظام، والتراكم إلى بنية، والمصطلحات المتناثرة إلى شبكة مترابطة، والبحث عن المعلومة إلى رحلة أكثر اختصارا ودقة. ومن هذا المنظور، يمثل الدكتور حسب الرسول علي الفكي عثمان نموذجا للمتخصص الذي حمل المعرفة المهنية إلى فضاء التأليف العلمي المتخصص، فجمع بين خبرة عالم المكتبات والمعلومات، وحس الباحث، ودقة المصطلحي، ووعي الحاجة المعرفية.

ختاما : في عالم تتكاثر فيه الكتب، وتزدحم فيه قواعد البيانات، وتتدفق فيه المعلومات بلا انقطاع، تظل الحاجة إلى من ينظم المعرفة، ويضبط مصطلحاتها، ويكشف علاقاتها، ويفتح طرق الوصول إليها أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، ومن هنا يجيء “مكنز القانون الدولي” ليقول في هدوء العمل العلمي ورصانته، إن وراء كل معرفة منظمة عقلا بحث، ووراء كل أداة معرفية متقنة سنوات من الصبر، ووراء كل مشروع علمي راسخ رؤية تؤمن بأن خدمة المكتبات والمعرفة ليست مهنة فحسب، بل رسالة.

وإذا كان تدشين الكتاب قد أسدل الستار على مرحلة طويلة من العمل، فإنه في الوقت ذاته يفتح ستارا جديدا على آفاق أرحب؛ آفاق يلتقي فيها علم المكتبات، وصناعة المعرفة، واللغة، والقانون، والتحول الرقمي في فضاء واحد. وهكذا يصبح “مكنز القانون الدولي” أكثر من مؤلف؛ يصبح شاهدا على أن المعرفة حين تجد من يحسن هندستها، تتحول من مادة مبعثرة إلى قوة منظمة، ومن صفحات صامتة إلى جسور تعبر بها العقول نحو مزيد من الفهم والاكتشاف.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي