قضايا إفريقية

سعد محمد عبد الله يكتب: السودان في قلب الصراع الإفريقي على المسرح الجديد

 

 

كتب/ سعد محمد عبدالله

 

يواجه السودان اليوم واحدةً من أعمق وأعقد الأزمات السياسية والأمنية في التاريخ الإفريقي الحديث؛ أزمةً تتجاوز حدود الصراع الداخلي إلى فضاءٍ إقليمي ودولي واسع، وتضع البلاد في قلب معادلات جديدة لإعادة تشكيل النفوذ في إفريقيا؛ فالحرب الدائرة ليست مجرد مواجهة عسكرية بين الدولة ومليشيا الدعم السريع الإرهابية، بل هي تعبير عن تشابك العوامل المحلية مع مشاريع خارجية تستثمر في هشاشة الدولة الوطنية وتستهدف مواردها وموقعها الجيوسياسي، ويأتي هذا الصراع في لحظة إفريقية شديدة الإضطراب، حيث تتوالى الأزمات في القرن الإفريقي ومنطقة الساحل والصحراء، وتتقاطع مع تحولات عنيفة في السلطة، والحروب الأهلية، والتدخلات الأجنبية، بما يكشف أن القارة لا تزال تدفع أثمانًا باهظة لإرث طويل من الإستعمار والاستبداد، ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم ما يجري في السودان بمعزل عن التجربة الإفريقية الأوسع؛ تلك التجربة التي ما زالت تبحث عن العدالة التاريخية وعن إستعادة السيادة الوطنية بعد عقود من النهب المنظم للإنسان والموارد، وقد بدا هذا المعنى واضحًا في قانون “الكود الأسود” الذي ألغاهُ البرلمان الفرنسي مؤخرًا بعد موجة من إنتفاضات الأفارقة وإنتقاداتهم الواسعة التي وصلت قمتها في “مؤتمر أكرا للعدالة والتعويضات عن إرث العبودية”، الذي جمع ممثلين لأكثر من ثمانين دولة إفريقية وكاريبية، بمشاركة الإتحاد الإفريقي ومجموعة الكاريبي “كاريكوم”، للمطالبة باعتذارات رسمية وتعويضات عن جرائم الإستعمار والعبودية؛ فذلك المؤتمر لم يكن مجرد فعالية رمزية أُقيمت في لحظة عابرة، بل كان تعبيرًا عن وعي إفريقي متصاعد بأن مآسي الحاضر ليست منفصلة عن جرائم الماضي، وأن الفوضى التي تضرب أعماق دول القارة اليوم ليست إلا إمتدادًا لأشكال مألوفة من الهيمنة والتسلط الإستعماري، تُدار بأدوات محلية ووكلاء داخليين، بينما تبقى مراكز القوة العالمية هي المستفيد الأكبر من إستمرار تدفق النزيف الإفريقي.

 

لقد خرجت إفريقيا من الإستعمار السياسي المباشر، لكنها لم تنجح، في كثير من دولها، في بناء أنظمة ديمقراطية محصنة ضد الإنقلابات والعنف والتفكك، وفي السودان، كما في بلدان إفريقية عديدة، لم تتوفر بعد الإستقلال المناعة السياسية والمؤسسية الكافية لإرساء قواعد الحكم العادل، ولا لترسيخ قيم التعاون والمواطنة والعدالة وتقاسم السلطة والثروة على أساس التنوع وتقبل الآخر، وبدلًا من أن تتجه النخب الوطنية إلى بناء عقد إجتماعي وإقتصادي جديد يداوي جراح الإستعمار وسنوات التهميش ويؤسس لوحدة وطنية مستقرة، هيمن على المجال السياسي والإقتصادي والإجتماعي منطق الإستحواذ والوصاية والإقصاء الممنهج، وصارت السلطة تُنتزع، في كثير من الأحيان، بأدوات العنف لا عبر الإرادة الشعبية الحرة، وهنا تكمن المعضلة الأعمق: فحين يصبح السلاح طريقًا مفتوحًا للعبور إلى الحكم، تصبح الدولة نفسها رهينة لمعادلات القوة المسلحة، ويغيب الطابع المدني عن مرآة الوطن، ويتحول المجتمع إلى ساحة مفتوحة للصراعات والمرارات التاريخية وخطابات الكراهية، والأخطر من ذلك أن هذا العنف لم يعد محليًا خالصًا، بل صار، في كثير من الحالات، مدعومًا من قوى خارجية ترى في تفكك الدول الإفريقية فرصة لإعادة إنتاج نفوذها ونهب الثروات والتحكم في الممرات الحيوية برًا وبحرًا، وعلينا جميعًا تأمل التاريخ وإجراء مراجعات عميقة لتجاربنا في ممارسة السياسة والسلطة؛ فما يمكن تحقيقه من خلال الأدوات السلمية ليس قليلًا، ودون ذلك، تتحول بعض النخب السياسية والجماعات المسلحة إلى أدوات حرب بالوكالة، بينما يُدفع المواطنون ثمن الدم والخراب والنزوح واللجوء وفقدان الدولة.

 

في هذه اللحظة، يبدو السودان مثالًا مأساويًا على هذه المعادلة؛ فالمعركة فيه ليست فقط على السلطة والثروة، وإن كان ذلك المشهد طاغيًا، بل هي صراع على بقاء الدولة الوطنية نفسها، وعلى حق السودانيين في تقرير مصيرهم بعيدًا عن الإبتزاز الإقليمي والتدويل المصلحي وتدوير السياسات البالية؛ لذلك فإن قراءة الأزمة السودانية تقتضي تجاوز التفسيرات السطحية، والنظر إليها كجزء من صراع أوسع على مستقبل إفريقيا، وعلى من يملك قرارها السياسي ومواردها الإستراتيجية وموقعها في النظام العالمي المتشكل، وفي سياق نقد تاريخ التجربة السياسية السودانية، تبرز أهمية ما كتبه الأستاذ عبدالله بشير في مقاله المعنون: “ستة عقود عسكرية: النخب السياسية والدكتاتوريات العسكرية شراكة في إفساد الرابطة الوطنية”، حيث يطرح قراءة نقدية جريئة وفاحصة لتاريخ الحركة السياسية السودانية، مبينًا كيف أسهمت النخب المدنية والعسكرية معًا في إعاقة التحول الديمقراطي، وفتح الطريق أمام الإنقلابات التي ظلت تقطع أي محاولة تُبذل لبناء نظام دستوري مستقر، وتلتقي هذه الرؤية مع ما طرحه الدكتور منصور خالد في كتابه المهم “النخبة السودانية وإدمان الفشل”، الذي قدم فيه تشريحًا عميقًا للعقل السياسي السوداني، كاشفًا عن أزمة نخبة تتنازعها الأنانية والإنقسام الأيديولوجي وضعف الحس الوطني، وتعيد إنتاج ذات الأخطاء السابقة في كل مرحلة تاريخية، حتى تحولت شعارات الديمقراطية والوطنية عند بعض الفاعلين إلى أدوات للمزايدة والمساومة والقفز فوق آمال الشعب لبلوغ السلطة بقوة السلاح، غض النظر عن مآلات ذلك، لا إلى مشروع حقيقي لبناء الدولة وحفظ حقوق شعبها؛ كما تتسع دائرة الفهم حين نستحضر ما عرضه ستيفن ليفيتسكي ودانيال زيبلات في كتاب “كيف تموت الديمقراطيات”، إذ يبين الكتاب أن الديمقراطيات لا تموت دائمًا عبر الإنقلابات العسكرية المكشوفة، بل قد تُقوَّض تدريجيًا من الداخل بفعل سياسيين يتسللون إلى السلطة، سواء عبر الإنتخابات أو التوافقات السياسية، ثم يفرغون النظام الديمقراطي من مضمونه باسم القانون أو الضرورة السياسية أو الأمنية، وتبدو هذه الفكرة شديدة الصلة بالسودان وإفريقيا معًا؛ لأن الأزمة لم تعد فقط في وجود العسكر أو تشكيلات المليشيات المضادة، بل في هشاشة البنية السياسية والمدنية نفسها، وفي قابلية النخب للتواطؤ مع الإستبداد حين يتعارض التداول السلمي للسلطة مع مصالحها الضيقة، ومن هنا، فإن اللعب على حافة الهاوية، في ظل إشتداد الرياح، مغامرة قد تقود إلى الإنزلاق نحو الدرك الأسفل؛ فعند السقوط لن ينجو اللاعب ولا الملعوب عليه، وحينها يكون الجميع في مهبّ الريح سواء، ومعركة السودان ليست عسكرية فحسب، بل فكرية وأخلاقية وسياسية أيضًا، لأنها معركة وطنية تُخاض ضد إرث طويل من الفشل المؤسسي، وضد بنية ذهنية ظلت ترى في الدولة غنيمة لا مسؤولية، وفي الوطن ساحة صراع لا إطارًا جامعًا للحقوق والواجبات في إطار المواطنة بلا تمييز.

 

إن مسألة الخروج من هذا المأزق التاريخي لا يمكن أن تتحقق بالحلول الأمنية وحدها، ولا بمجرد إنهاء جولة من جولات الحرب المستمرة، بل تتطلب مراجعات وطنية وإفريقية شاملة تعيد تعريف الدولة ووظيفتها وعلاقتها بالمجتمع؛ فالسودان بحاجة إلى حوار قومي دستوري واسع، لا يستثني أحدًا من القوى الوطنية المؤمنة بوجود الدولة بمؤسساتها المدنية والعسكرية التي تحرسها قيم الديمقراطية، ويؤسس لعقد سياسي جديد يقوم على سيادة القانون، والمواطنة بلا تمييز، والعدالة الإنتقالية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، وتحديد شكل الحكم، وعلاقة المركز بالأقاليم والولايات، وضمان خضوع السلاح لمؤسسات الدولة وحدها لا شريك لها، وتحقيق هذه الرؤية سيزيل مخاوف الكثير من المهتمين بالشأن السوداني بما فيهم بيكا هافيستو مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلي السودان الذي عبر من مدينة نيويورك عن قلقه حيال ما يحدث في السودان؛ كما أن إفريقيا، وهي تواجه موجة متجددة من الإنقلابات والحروب الأهلية والتدخلات الأجنبية، مطالبة بإنتاج رؤيتها الخاصة لصياغة الدولة وتحقيق الأمن والإستقرار والتنمية، بعيدًا عن الوصايات الدولية التي لا ترى في القارة سوى خزان دائم للموارد وساحة للصراع الجيوسياسي؛ فالمستقبل السوداني والإفريقي لن يُبنى إلا إذا تحررت تلك النخب من إدمان الفشل، وإعترفت بأن الديمقراطية ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة ثم يُهمل عند أول إختبار، سجلنا فيه رسوبًا قياسيًا عبر التاريخ، بل هي منظومة قيم ومؤسسات وثقافة سياسية عميقة تتطلب صبرًا وإرادة وتنازلات متبادلة لتثبيتها، وفي هذا السياق، يصبح السودان، بكل مأساته الراهنة، مرآة كاشفة لأزمة القارة كلها، كما يمكن أن يكون بوابة لإعادة التفكير في مشروع الدولة الوطنية الإفريقية الناهضة على أسس جديدة أكثر عدالة وواقعية؛ فإذا كان الإستعمار القديم قد غادر بكل جيوشه وأعلامه، فإن الإستعمار الجديد لا يزال حاضرًا بأدوات أكثر تعقيدًا وأشد فتكًا، من التمويل السياسي والعسكري إلى التحكم في بوصلة الإقتصاد والإعلام والعلوم؛ لذلك فإن معركة السودان اليوم هي، في جوهرها، معركة من أجل حفظ السيادة والكرامة الوطنية، ومعركة من أجل أن تستعيد إفريقيا حقها في أن تصوغ مستقبلها بيدها، لا أن تبقى مجرد مسرح تتصارع فوقه القوى الكبرى، وتعبث بمواردها، وتحقق مصالحها كيفما تشاء، بينما تدفع الشعوب وحدها ثمن الدم والخراب لعقود لا تُعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي