الإقتصادتقاريرحوارات ومقالات

د. محمد حمد يكتب: المغترب.. من “خزانة للطوارئ” إلى شريك في النهضة (2_3)

 

 

مفتاح المدى: حكاوي من زمن الحرب

 

بقلم: د. محمد حمد محمد أحمد

 

في مقالنا السابق، وقفنا عند عتبات «مناشدات المالية وعقدة التطبيقات»، وناقشنا كيف تتحول المعاملات البسيطة للمغتربين إلى معارك بيروقراطية منهكة وسط مناخ الحرب وتداعياته القاسية. واليوم، نمد الخيط على استقامته؛ فالمسألة تتجاوز تسهيل معاملة أو فك عقدة تطبيق رقمي، إنها تتعلق بالرؤية الكلية والعميقة لكيفية نظر الدولة لأبنائها في المهاجر والمغارب. هل هم مجرد «خزانة طوارئ» تُفتح عند الأزمات للاستدرار والجباية؟ أم هم شركاء أصيلون في النهضة وإعادة الإعمار؟

وبرغم ما أصابنا في هذه الحرب الضروس، وبرغم الفقد الذي تجرعناه جميعاً، إلا أن هناك فقداً صامتاً لا تراه الأعين؛ فقدٌ يعيشه المغترب في منافيه البعيدة. لم يفقد المغترب مجرد مدخرات أو ممتلكات، بل فقد عمره، وسنوات حصاده، وعاش مرارة البعد القسري عن الأهل والديار، وفي قلبه غصة لا تداويها الغربة، وشعور دائم بالقلق والمسؤولية. وبرغم هذا النزيف النفسي والوجداني، ظل المغترب وفياً، يمثل جدار الصد الأخلاقي والمادي الأخير لأسرته وأهله، يحمل همومهم فوق همه، ويقاسمهم لقمة العيش وعناء البقاء بصلابة ونبل هذا الوفاء الأسطوري يستوجب منا جميعاً – دولة ومجتمعاً – أن نقف وقفة إجلال، وأن نفكر بعمق كيف نرد له الجميل؟

إن رد الجميل للمغترب لا يكون بكلمات الشكر الإنشائية، بل بصون كرامته، وحفظ حصاد عمره، والانتقال من «عقلية الجباية والرسوم» إلى «منطق الشراكة الذكية والاستثمار»، وذلك عبر ثلاثة مسارات أساسية:

أولاً: الاستثمار لا الاستدرار (حفظ حصاد العمر)

الدول الذكية لا تطلب من المغترب «هبات»، بل تقدم له «فرصاً» تحميه وتحمي مستقبله. إن طرح سندات وطنية استثمارية مخصصة لإعمار قطاعات حيوية – كالتعليم والمراكز الصحية والبنية التحتية – بامتيازات وضمانات واضحة، يحول أموال المغترب من سيولة مستهلكة في مصاريف يومية إلى أصول تنموية تضمن له ولعائلته مستقبلاً آمناً، وتبني وطنه في آن واحد. المغترب يريد – ويستحق – أن يرى أثر عرق جبينه مجسداً في مؤسسة تخدم أهله، لا في أرقام تبتلعها الدهاليز والتعقيدات.

ثانياً: هجرة العقول أم توطين المعرفة؟

إن أخطر ما تفقده الأوطان في زمن الحروب هو «الكتلة الحرجة» من الكفاءات المهنية والطبية والهندسية والتعليمية التي أُجبرت على المغادرة لكن هؤلاء المغتربين يحملون اليوم في منافيهم خبرات عالمية، وتدريباً متقدماً، ومعرفة بأحدث الأنظمة المهنية والرقمية رد الجميل هنا يكون بفتح الأبواب لتأسيس منصات ومجالس استشارية رقمية تمكّن هذه العقول من المساهمة في تطوير المناهج، وتدريب الكوادر بالداخل عبر حلول التعليم والتدريب عن بُعد، وقيادة التحديث. فرأس المال البشري للمغترب لا يقل قيمة عن رأسماله المالي.

ثالثاً: المثلث المؤسسي المرن

لا يمكن لشراكة أن تُبنى ما لم يجد المغترب في الداخل نظاماً مرناً «يتحدث لغته الرقمية السريعة». نحن بحاجة عاجلة إلى تنسيق مؤسسي ذكي يربط بين جهات الاختصاص: الخارجية، والمالية، والمجالس والاتحادات المهنية المتخصصة، لتقديم خدمات موحدة ومبسطة، تقطع دابر التعقيد، وتمنح المهني والمستثمر المغترب الأمان القانوني والإجرائي لضخ جهده وفكره في شريان الوطن دون خوف أو تردد.

مفتاح المدى..

يعيش المغترب بجسد في المهاجر وقلب معلّق بملامح الوطن وتفاصيله، يترقب يوم العودة الموعود. وتحويل هذا الرابط العاطفي والوفاء الإنساني إلى شراكة استراتيجية متكافئة هو ما يمنح الغربة «معنى»، ويشعر المغترب أن سنوات ابتعاده لم تكن خصماً من عمره، بل كانت فترة إعداد وتذخير ليعود يوماً ويضع لبنته في جدار النهضة الأوطان لا تُبنى بالمسكنات المؤقتة، بل بالرؤى الشاملة التي تجعل من كل مغترب مشروع بناء، ومن كل مغترب شريكاً حقيقياً في صياغة المستقبل.

ونواصل …..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي