تقاريرحوارات ومقالاتقضايا ومحاكم

خالد الفكي يكتب: الجنرال الضي… شهادة للتاريخ تستعيد الحقيقة

 

 

من حروفي

 

 

كتب/ خالد الفكي

 

 

في النزاعات الكبرى، لا تكتسب الشهادات قيمتها من موقع أصحابها فحسب، وإنما من اقترابهم من الحدث وقدرتهم على توثيق ما جرى بعيداً عن الروايات المتضاربة. ومن هذا المنطلق، تكتسب شهادة الجنرال الضي إسحق الضي، رئيس التحالف السوداني جناح الشهيد خميس أبكر، أهمية سياسية وقانونية وتاريخية، لأنها تصدر عن قائد كان في قلب الأحداث التي شهدتها ولاية غرب دارفور منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، وعاصر واحدة من أكثر الصفحات دموية في تاريخ السودان الحديث.

إن مقتل والي غرب دارفور الأسبق، الشهيد خميس أبكر، والتمثيل بجثمانه أمام جموع من آل دقلو وعشيرتهم وتوثيق الجريمة بعدساتهم، شكّل جريمة هزّت الضمير الإنساني، وأصبح دليلاً بصرياً يصعب إنكاره أو تجاوزه. وإذا أضيفت إلى ذلك شهادة أحد أبرز القادة الميدانيين الذين عاشوا تفاصيل تلك المرحلة، فإنها تمثل مادة بالغة الأهمية لأي مسار مستقبلي للعدالة والمساءلة، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، بشأن الانتهاكات التي شهدتها ولاية غرب دارفور.

لقد عاشت الجنينة، وكرينك، ومستري، ومورني، ومناطق واسعة من غرب دارفور، أحداثاً مأساوية اتسمت، وفق تقارير أممية ومنظمات حقوقية، بعمليات قتل واسعة وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين،  قامت بها المليشيات رافقتها اتهامات بارتكاب جرائم ذات طابع عرقي وأعمال ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية. ولا يمكن لأي مشروع للسلام أو العدالة أن يتجاوز توثيق هذه الوقائع والاستماع إلى شهادات من كانوا في قلبها.

ومن هذا المنظور، فإن شهادة الجنرال الضي لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها موقفاً سياسياً فحسب، بل بوصفها وثيقة تاريخية تستحق التوثيق والتحليل والمقارنة مع بقية الأدلة والشهادات، وصولاً إلى بناء سردية تستند إلى الوقائع وتخدم العدالة، بعيداً عن محاولات طمس الحقائق أو إعادة كتابة التاريخ من قبل المليشيات وداعميهم.

وفي الميدان، تشير التطورات العسكرية الأخيرة إلى تغيرات لافتة في أقصى غرب دارفور، مع تقدم القوات المسلحة والقوات المساندة لها، إلى جانب تشكيلات المقاومة الشعبية، في عدد من المحاور، واستعادتها منطقتي كلبس وجبل مون، واقترابها من مناطق ذات أهمية استراتيجية، مع تحركات باتجاه دار أم دوكا. وإذا استمرت هذه المتغيرات، فإنها قد تعيد تشكيل المشهد العملياتي في الإقليم، وتفتح مرحلة جديدة في مسار استعادة السيطرة والتحرير.

غير أن استعادة الجغرافيا لا تكفي وحدها؛ فاستعادة الحقيقة لا تقل أهمية عن استعادة المدن. فالتاريخ لا يُكتب بالسلاح وحده، بل بالشهادات الموثقة والعدالة والمحاسبة. وستظل شهادة الجنرال الضي إسحق الضي واحدة من الروايات التي تستحق الحفظ والدراسة، لأنها تضيف صوتاً من قلب المأساة إلى سجل الأحداث، وتؤكد أن حقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم، وأن العدالة، مهما تأخرت، تظل مطلباً لا غنى عنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي