جيوسياسية الجمال: حين تصبح الصورة حدودًا للدولة

بقلم/ محمد يوسف العركي
لطالما عُرّفت الجيوسياسية بوصفها العلم الذي يدرس تأثير الجغرافيا—بجبالها ومضائقها ومواردها – على سلوك الدولة وتوازنات القوة. في هذا التصور التقليدي، كانت السيادة تُنتزع بالسيطرة على المكان، وتُرسم الحدود بالدم وتُصان بالقوة الصلبة، ضمن منطقٍ يحكمه السلاح والأرض. لكننا اليوم، في ظل انفجار السيولة الرقمية، نواجه نمطًا جديدًا من الصراع؛ نمط لا يعتمد الرصاص، بل يوظف المعنى والصورة والهوية البصرية. هنا نقترب قليلاً من مفهوم «الجيوسياسي الجمالي»، حيث تتحول الثقافة من ذاكرة تاريخية إلى ترسانة قيمية تُستخدم لفرض النفوذ. نحن سادتي الآن أمام انتقال من عصر تتوسع فيه الدولة لتُهيمن، إلى عصر تتجمّل فيه لتسود؛ فالدولة التي تعجز عن إنتاج صورة بصرية مهيمنة، تصبح دولةً بلا حدود راسخة في الوعي العالمي. في هذا السياق، لم يعد بناء المدن فعلًا عمرانيًا محضًا، بل غدا بيانًا سياسيًا بصريًا. فحين تسعى الحواضر العربية مثلاً إلى تشييد نماذج فائقة الحداثة تمزج التراث بالتكنولوجيا، فإنها تحاول إعادة تعريف ذاتها كمراكز ابتكار وتأثير. إن استقطاب الأسماء المعمارية العالمية لم يعد ترفًا هندسيًا، بل خيارًا جيوسياسيًا يدمج الثقافة المحلية في اللغة البصرية الكونية، لتغدو العمارة خطابًا صامتًا عن السيادة والقدرة على تشكيل المستقبل. ويمتد هذا المنطق إلى المجال الثقافي، حيث تتجلى الجيوسياسية الجمالية في «دبلوماسية المتاحف». فبناء متاحف أيقونية أو استضافة مؤسسات ثقافية كبرى يتجاوز التبادل الثقافي إلى ممارسة سيادة رمزية. فالدولة هنا تستثمر في رأس مال جمالي يعزز مكانتها ويعيد تقديمها بوصفها راعيةً للفنون والمعرفة، لتتحول القاعة المتحفية إلى مركز قوةٍ ناعمةٍ يعيد رسم خرائط النفوذ بعيدًا عن منطق القواعد العسكرية. حتى الأدوات الرقمية اليومية، مثل خرائط جوجل، لا تقف خارج هذا الاشتباك. فالخرائط المعروضة على الشاشة لا تعكس الواقع بقدر ما تشارك في إنتاجه؛ من خلال المسميات، وأنماط الخطوط، وتعريف المناطق المتنازع عليها. هنا يصبح التحيز التقني الخوارزمي وسيلةً لترسيم حدود ذهنية، تتجاوز الجغرافيا الترابية، وتُعيد تشكيل وعي الجيل الرقمي بمسألة الملكية والسيادة. وليست السينما ببعيدة عن هذا الإطار فتُعد السينما العالمية، خصوصًا هوليوود، المختبر الأوضح لهذا النوع من القوة. فمن خلال جماليات الصورة، تُقدَّم الجغرافيا العربية غالبًا عبر فلاتر لونية توحي بالفوضى، مقابل تصوير مدن أخرى بألوان النظام والطمأنينة. هذا التلاعب البصري يُنتج قبولًا ضمنيًا للهيمنة، ويُرسّخ صورة العربي ككائن يعيش في فضاء يحتاج دائمًا إلى «إعادة صياغة» من الخارج. وفي المقابل، يظهر الجمال أداةً للمقاومة حين تحوّل الشعوب المهمشة الجدران والأسوار إلى فضاءات فنية. هنا تتحول الثقافة من أداة دولة إلى سلاح شعبي، يكسر احتكار السردية الرسمية بصورة واحدة قادرة على هز الضمير العالمي. إن الصراع القادم لن يكون على الموارد وحدها، بل على الرأسمال الجمالي. فالدول القادرة على تحويل ثقافتها وفنونها وعمرانها إلى لغة عالمية، هي التي ستحتل موقع التأثير في عالم تحكمه الصورة قبل الخطاب. منطق: «السيادة في عصر السيولة الرقمية لا تُصان بالجغرافيا وحدها، بل بامتلاك الخيال الثقافي القادر على تحويل الصورة إلى سلطة، والخريطة إلى وعي، والمعنى إلى أداة نفوذ تتجاوز الحدود».
arakidoha@yahoo.com
نقلاً عن العرب القطرية

