حوارات ومقالات

جياد.. تجاوز الجراح واستشراف النهضة

 

 

من حروفي

 

كتب/ خالد الفكي

 

لم تكن عودة مجموعة شركات جياد الصناعية مجرد استئناف للإنتاج بعد الدمار الذي خلّفته الحرب، بل تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الصناعة الوطنية على النهوض واستعادة دورها في إعادة بناء الاقتصاد السوداني. فالمعركة التي واجهتها المجموعة لم تقتصر على تدمير المصانع والمنشآت وشبكات الكهرباء والمياه، بل امتدت آثارها إلى إحدى الركائز الاستراتيجية لتوطين الصناعة وتعزيز الاعتماد على القدرات الوطنية.

 

تفتح جياد صفحة جديدة عنوانها التعافي وإعادة الإعمار والتوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة، لتؤكد أن استعادة المصانع ليست نهاية الطريق، بل بداية مشروع استراتيجي يستهدف إعادة بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تلبية احتياجات السودان والمساهمة في استعادة عافيته الاقتصادية.

 

وبحسب المعلومات المعلنة عن المجموعة، تجاوزت نسبة التعافي 70%، مع توقعات بعودة جميع المصانع إلى الخدمة مطلع العام المقبل، بالتزامن مع إدخال خطوط إنتاج ومنشآت جديدة لم تكن موجودة قبل الحرب. وإذا تحققت هذه المؤشرات، فإنها ستعكس قدرة الصناعة الوطنية على تحويل تحديات الحرب إلى فرص لإعادة الهيكلة والتحديث والتوسع الإنتاجي.

 

وتكشف هذه المرحلة عن أهمية الاستثمار في الكفاءات البشرية والخبرات الوطنية، باعتبارها رأس المال الحقيقي لأي عملية إعادة إعمار مستدامة. فالمصانع يمكن إعادة بنائها، والآلات يمكن استيرادها، لكن الحفاظ على الخبرات الفنية وتطويرها يظل شرطاً أساسياً لاستدامة الإنتاج ورفع الكفاءة التشغيلية. ومن هنا، فإن إعادة تأهيل العنصر البشري يجب أن تسير بالتوازي مع إعادة تأهيل المنشآت وخطوط الإنتاج.

 

ولا تقتصر خسائر الدمار على الأصول المادية، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد والقدرات التشغيلية وفرص العمل، فضلاً عن انعكاساتها على الإنتاج المحلي وتكاليف الاستيراد. لذلك، ينبغي النظر إلى عودة جياد باعتبارها جزءاً من معركة أوسع لاستعادة الاقتصاد المنتج، وتقليص الاعتماد على الخارج، وتوفير احتياجات السوق من خلال التصنيع المحلي.

 

 

اللافت في مسار التعافي هو التوجه نحو تصنيع السيارات والمركبات الكهربائية، إلى جانب التوسع في إنتاج الجرارات الزراعية والشاحنات والناقلات والمنتجات المعدنية والأثاث المدرسي والأبواب المصفحة ومستلزمات البناء. ويعكس هذا التنوع توجهاً نحو توسيع القاعدة الإنتاجية وربط الصناعة باحتياجات قطاعات حيوية، في مقدمتها الزراعة والنقل والإسكان وإعادة الإعمار.

 

وفي هذا السياق، تبرز خطة تجهيز 65 محطة وقود بمحطات للشحن الكهربائي، بالتعاون مع شركة النيل للبترول، باعتبارها خطوة محتملة نحو تأسيس بنية تحتية تدعم انتشار المركبات الكهربائية. كما يمثل التوجه إلى تصنيع الحافلات والشاحنات الكهربائية فرصة لتطوير قطاع النقل وفتح مسارات جديدة أمام الصناعة الوطنية، شريطة استكمال البنية التحتية اللازمة، وضمان توافر خدمات الصيانة وقطع الغيار، ومعالجة التحديات المرتبطة بتكلفة الإنتاج والقدرة الشرائية.

 

غير أن نجاح هذا التحول لا يتحقق بمجرد إدخال تقنيات جديدة أو إنشاء خطوط إنتاج حديثة، بل يتطلب سياسة حكومية متكاملة تشجع التصنيع المحلي، وتيسر التمويل، وتدعم البحث والتطوير والتدريب المهني، وتعمل على تحسين استقرار إمدادات الكهرباء وتهيئة بيئة استثمارية جاذبة.

 

 

 

إن التحدي الحقيقي أمام جياد لا يتمثل في استعادة ما دمرته الحرب فحسب، بل في بناء نموذج صناعي أكثر كفاءة وقدرة على المنافسة، يربط الإنتاج المحلي باحتياجات الزراعة والنقل والخدمات، ويعزز فرص التشغيل، ويرفع مساهمة الصناعة في الناتج الاقتصادي.

 

وهنا تبرز مسؤولية الدولة في تحويل التعافي إلى استراتيجية وطنية متكاملة، من خلال سياسات تدعم المنتج المحلي دون عزله عن المنافسة، وتشجع نقل التكنولوجيا وتوطينها، وتوسع فرص الشراكة مع القطاع الخاص، وتفتح أسواقاً إقليمية أمام المنتجات السودانية. كما أن نجاح هذه الاستراتيجية يظل رهيناً بوجود خطط واضحة لقياس الأداء، وتحديد الأولويات، وتعظيم القيمة المضافة للموارد الوطنية.

 

إن جياد تقف اليوم أمام فرصة تتجاوز استعادة نشاطها الصناعي؛ فهي أمام اختبار الانتقال من إعادة بناء ما دمرته الحرب إلى تأسيس قاعدة إنتاجية أكثر تطوراً واستدامة. فالسودان الذي يسعى إلى إعادة بناء مؤسساته واقتصاده يحتاج إلى مصانع تعمل بكفاءة، وعمالة ماهرة قادرة على الابتكار، وسياسات تحول الإمكانات الوطنية إلى منتجات تنافسية وفرص عمل وصادرات.

 

ومن هنا، فإن عودة جياد من تحت الركام ليست مجرد قصة صمود صناعي، بل فرصة استراتيجية ينبغي البناء عليها، لتصبح الصناعة أحد أعمدة التعافي الاقتصادي وإعادة إعمار السودان، وبوابة العبور من اقتصاد الأزمات إلى اقتصاد الإنتاج والتنمية المستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي