إبحار”.. حين تتكلم الدمى وتستعيد الطفولة صوتها في الخرطوم

أمدرمان/ خالد الفكي
في مدينةٍ أنهكتها أصوات الحرب، وعبرت طويلاً بين ضجيج الخوف وصمت الانتظار، انبعثت من قصر الشباب والأطفال بالخرطوم أصواتٌ مختلفة؛ أصوات ضحكات صغيرة، ودهشة بريئة، وستارة مسرح تفتح أبوابها لعالمٍ من الخيال والجمال.
هناك، لم تكن الدمى مجرد أدوات للعرض، ولم يكن مسرح العرائس مجرد خشبة ترفيه عابرة، بل كان إعلاناً جديداً عن انتصار الحياة على العزلة، وانتصار الفن على القسوة، وانتصار الطفولة على كل ما حاول أن يسرق منها أحلامها.
شهد قصر الشباب والأطفال انطلاق فعاليات الدورة السادسة من مهرجان إبحار الدولي لمسرح العرائس والدمى، الذي نظمته منظمة إبحار للآداب والفنون بالتعاون مع القصر، وتحت إشراف وزارة الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم، وبرعاية جهاز المخابرات العامة، بمشاركة ست ولايات سودانية هي الخرطوم، ونهر النيل، والبحر الأحمر، والقضارف، وكسلا، وشمال دارفور.

المشهد كان أشبه بلوحة وطنية تتقاطع فيها ألوان السودان المختلفة تحت سقف واحد، حيث اجتمعت الوفود الفنية لتحمل رسائل المحبة والإبداع إلى الأطفال، وتؤكد أن الثقافة تظل دائماً جسراً للتلاقي مهما تباعدت المسافات وتعاظمت التحديات.
وسط أجواء المهرجان، أكد وزير الشباب والرياضة الاتحادي الدكتور أحمد آدم أن إقامة هذه الفعالية في هذا التوقيت تحمل دلالات كبيرة، إذ تعكس عودة النشاط الثقافي والفني إلى مساراته الطبيعية، كما تؤكد الاهتمام المتزايد بتنمية مواهب الأطفال وصقل قدراتهم الإبداعية. وأشار إلى أن وزارته ستعمل بالتنسيق مع وزارة الثقافة والإعلام والسياحة والمجلس الأعلى للشباب والرياضة على توسيع البرامج الثقافية والإبداعية الموجهة للشباب والأطفال.

لكن أكثر ما لامس الوجدان في كلمات المتحدثين كان الحديث عن الطفل السوداني الذي وجد نفسه خلال السنوات الأخيرة أسيراً للشاشات، محاصراً بين التطبيقات والمنصات الرقمية، بعيداً عن مساحات اللعب الجماعي والخيال الخصب.
فقد عبّر المدير العام المكلف لوزارة الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم، الأستاذ الطيب سعد الدين، عن تقدير حكومة الولاية لمنظمة إبحار التي ظلت حاضرة ببرامجها الثقافية حتى في أحلك ظروف الحرب، عبر جهود رائد برامج الأطفال الفنان يوسف عبد القادر، المعروف بـ”نُكتة”.
وأشار سعد الدين إلى أن المجتمع اليوم في حاجة ماسة إلى برامج جاذبة تعيد الأطفال إلى فضاءات التفاعل الإنساني الحي، وتحررهم من العزلة التي تفرضها غرف الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. ورأى أن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، رغم فوائدها الكبيرة، لا ينبغي أن تكون بديلاً عن الموهبة الفطرية والخيال الإبداعي الذي يصنع شخصية الطفل ويمنحه قدرته على الابتكار.

وفي زاوية أخرى من الحكاية، وقف الفنان يوسف عبد القادر، الرئيس التنفيذي لمنظمة إبحار، يتحدث عن حلمٍ ظل يكبر عاماً بعد عام. حلم مهرجانٍ أراد له أن يكون نافذة دولية تجمع تجارب العالم في مسرح العرائس، غير أن الظروف حالت دون مشاركة العديد من الدول. ومع ذلك، فإن حضور الولايات السودانية المختلفة حمل رسالة لا تقل أهمية: أن السودان ما زال قادراً على إنتاج الفرح، وصناعة الجمال، وإحياء المسرح من جديد.
ويمتد المهرجان على مدى ثلاثة أيام، تتعاقب خلالها عروض الدمى والعرائس، وتتنوع الحكايات والشخصيات والألوان، بينما تتسع عيون الأطفال دهشةً وفرحاً، كأنهم يكتشفون للمرة الأولى أن الأحلام يمكن أن تمشي على خيوطٍ صغيرة، وأن قطعة قماشٍ ودميةً متحركة قادرتان على صناعة عالم كامل من السعادة.

هكذا، لم يكن مهرجان إبحار مجرد فعالية ثقافية عابرة، بل كان رسالة أمل مكتوبة بلغة الفن، تقول إن الأوطان تُبنى بالحجر، لكنها تُشفى بالثقافة، وأن الطفل الذي يصفق لدميةٍ على خشبة المسرح اليوم، قد يكون غداً مبدعاً يرسم مستقبل وطن بأكمله.

