مناوي.. نسخة العشرين

من حروفي
كتب/ خالد الفكي
الفتى الأسمر، ممشوق القوام، الذي جاء إلى الخرطوم عام 2006، بعد سلسلة من المفاوضات لإحلال السلام في دارفور، كان يحمل معه كثيراً من الهواجس، وبدا أكثر قلقاً وتوتراً بعد سنوات من القتال، قضاها حاملاً سلاحه، يجوب الطرق الوعرة والوديان التي يصعب اجتيازها، دفاعاً عن قضيته التي خرج من أجلها مغاضباً.
مني أركو مناوي، رئيس حركة تحرير السودان، الذي عُيّن حينها مساعداً لرئيس الجمهورية، وجد نفسه في منزل بشارع البلدية، أحد أهم شوارع العاصمة، والقريب من مفترق طرق يقود أحدها نحو القيادة العامة للجيش، وآخر نحو جامعة الخرطوم، وثالث غرباً نحو الجامع الكبير، فيما كان مقر حركته يقع بشارع الموردة في العاصمة الوطنية.
وعلى مدى عشرين عاماً، عبرت مياه كثيرة تحت جسر العلاقة بين مناوي والدولة السودانية، وشهدت تلك الفترة مواقف سياسية عديدة، ولا شك أنها شهدت أيضاً مناورات عسكرية، في إطار سعيه إلى تحقيق ما يراه عدلاً لقضيته في دارفور.
أُتيحت لي فرصة الحضور، برفقة عدد من الزملاء الصحفيين، في ضيافة حاكم إقليم دارفور بمنزله الذي سكنه عند قدومه الأول إلى الخرطوم، وفي الشارع ذاته الذي بدا أقل حركة في الخرطوم ما بعد الحرب، خاصة مع حلول الليل. لكن اللافت والمدهش بالنسبة إليّ كان ما وقفت عليه خلال المؤانسة مع مناوي، والحوار حول قضايا وطنية بالغة الحساسية، في ظل تعقيدات الأوضاع الراهنة ومآلاتها في البلاد.
لم أجد مناوي بصفات المقاتل القلق، المشوش الذهن، المهتز الثقة، التائه الأفكار، زائغ العينين أو عديم الإرادة، كما قد يتصور البعض. وربما حالفني الحظ هذه المرة في الجلوس إليه مطولاً، لأكثر من ثلاث ساعات، بعدما اعتدت لقاءه خلال الفعاليات والتغطيات الصحفية التي لا تتجاوز مدتها دقائق معدودة.
حاكم إقليم دارفور، بعد نحو عشرين عاماً، وجدته نسخة مختلفة؛ بدا لي رجل دولة حقيقياً، يحمل رؤية استراتيجية في التعاطي مع أزمات البلاد، واثق الخطوات، صبوراً في الحوار، ومتقبلاً للاختلاف في الرأي، مع قدرة على امتصاص ردود الفعل والتعبير بكلمات واضحة وواثقة. ولعل مزيج التجارب التي عاشها الرجل بين الكفاح المسلح والعمل السياسي، وما مر به من محطات معقدة في ظل واقع السودان المضطرب، أسهم في تشكيل شخصية أكثر رسوخاً في المشهد الوطني العام.
تطرق مناوي إلى قضايا ظلت وستظل محل نقاش في مجالس النخبة وبين عامة الناس. وأوضح موقفه من التفاوض مع مليشيات آل دقلو، رافضاً الانخراط في أي مسار من شأنه شرعنة ما وصفه بحكومة «تأسيس» وجناحها السياسي. كما شدد على أهمية القوات المسلحة ودورها، ورفض قيام دولة المليشيات، مبدياً استعدادهم لاستكمال الترتيبات الأمنية لقواتهم المشتركة.
وأبدى الرجل قلقه، الذي يمكن وصفه بالمحمود، إزاء شح الأمطار وتراجع الإنتاج الزراعي، كما استغرب المزاعم التي تتحدث عن عدم سماح الحكومة بفتح المعابر لإيصال المساعدات إلى المحتاجين في مختلف أنحاء البلاد. واعتبر أن العائق، من وجهة نظره، لا يتعلق بوجود مانع حقيقي، وإنما بالسعي إلى استغلال هذه المسألة في تموين المليشيات وإمدادها بالعتاد الحربي.
وبشأن الحوار السوداني–السوداني، أكد مناوي أهميته وضرورته الملحة لإيجاد أرضية صلبة يقف عليها السودانيون لبناء دولتهم بعد الحرب. لكنه رأى أن نجاح الحوار مرهون بانطلاقه من القواعد الشعبية، والوصول إلى أصحاب المصلحة الحقيقيين، وهم المواطنون أينما كانوا.
وخلال المؤانسة مع الصحفيين، تحدث مناوي بثقة ودون مواربة. ولم ألحظ أنه تردد أو تلعثم في الإجابة عن سؤال، أو غض الطرف عنه، بل واجه الانتقادات بسخريته المعهودة، وببساطة شخصيته السودانية الأصيلة. وكما حرص على استقبالنا عند باب القاعة، حرص أيضاً على توديعنا حتى الخارج، مانحاً كل واحد منا بضع دقائق للمجاملة والملاطفة.
وجدد مناوي دعوته إلى حوار أوسع وأعمق في أقرب فرصة، مؤكداً دور الصحفيين في الحفاظ على السيادة الوطنية وتعزيز تماسك السودانيين.
بعد عشرين عاماً، لم تكن زيارتي مجرد لقاء عابر مع حاكم إقليم دارفور، بل كانت فرصة لاكتشاف ملامح أخرى في شخصية رجل عرفته ساحات القتال ومفاوضات السياسة. وها أنا أراه اليوم من زاوية مختلفة؛ زاوية رجل اختبرته التحولات، وصاغت التجارب رؤيته، وأصبح الحوار معه مدخلاً لقراءة أعمق في تعقيدات المشهد السوداني ومآلاته.

