عبد الرحيم أرقي… حين انحنى الطنبور، وبكى الشمال أحد أعمدته

كتب/ السمؤل محمد إبراهيم
هناك فنون تُسمع، وفنون تُحفظ، وفنون تُعاش. وأغنية الطنبور من ذلك الضرب النادر الذي لا يمر على الأذن مرور العابرين، بل يتسلل إلى القلب كما يتسلل النيل إلى ضفتيه؛ فيروي الذاكرة قبل أن يروي الأرض، ويقيم في الوجدان إقامة النخيل في تربة الشمال، لا تزعزعه السنون، ولا تنال منه تقلبات الأيام.
لقد امتازت أغاني الطنبور بحنينها الشديد، وبمفردتها الموسيقية التي لا تشبه سواها، وبقدرتها الفريدة على تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى قصائد خالدة. ولهذا استطاعت أن تتجاوز حدود الجغرافيا، وأن تتغلغل في وجدان السودانيين جميعًا، على اختلاف قبائلهم وبيئاتهم، حتى غدت لغةً مشتركةً بين القلوب، يعرفها من وُلد على ضفاف النيل كما يعرفها من وُلد بعيدًا عنه.
وأنا واحد من أولئك الذين سكنتهم أغنية الطنبور قبل أن يسكنوها. غير أن علاقتي العميقة بأهلنا الشوايقة لم تصنعها المصادفات، وإنما نسجتها الجيرة، وربتها الأيام، حتى غدت جزءًا أصيلًا من تكويني الإنساني.
فقد نشأت وترعرعت في حي كان عامرًا بعدد كبير من بيوت أهل الشايقية، ذلك الحي الذي علمني منذ طفولتي أن السودان، مهما تعددت جهاته ولهجاته، فإن قلبه واحد. فالبيت الملاصق لبيتنا منزل أحد زعماء الشوايقة، العم ود المأمون الخليفة، رحمه الله رحمة واسعة، رجل بقيت صورته في الذاكرة عنوانًا للمروءة والكرم وأصالة المعدن. والبيت الذي تفتح أبوابه على بيتنا بيتٌ كريم من بيوت قرية الزومة، تلك القرية التي اقترن اسمها بالعلم والمعرفة وخلاوي القرآن الكريم، وفيه يقيم عمنا أستاذ التمريض الدكتور جلال كوليدي، متعه الله بالصحة والعافية. وعلى بعد شارعين فقط كان منزل عمنا عبيد حفظ الله، رحمه الله، والد أخينا العزيز عاطف عبيد.
وفي تلك البيئة، حيث كانت المجالس عامرة بالألفة، وكانت الأحاديث تنتهي دائمًا إلى أغنية أو حكاية، تشكل وجداني على أنغام الطنبور. كنت أستمع إليه قبل أن أفهم معانيه، وأحفظ ألحانه قبل أن أدرك أسرارها، حتى صار جزءًا من صوت الطفولة نفسها.
سمعت الأسطورة الراحل يس عبد العظيم، رحمه الله، وعوضه شبابه بالجنة، يسكب صوته في فضاءات الشمال مرددًا: «وين وين يا صابر جرا سم باسم الله وقرأ… وفارق أم درمان غادرًا… المويلح قام سادرًا… والدروب أصلو هو خابرًا». وكانت الكلمات، على بساطتها، ترسم الطريق، وتبني المشهد، وتجعل السامع يرى القوافل وهي تمضي، والغبار وهو يعلو، والحنين وهو يتكئ على عصا المسافر.
وسمعته يغني: «ضميني ضميني يا فرحة المحزون… لا الصبر قادر أطيق… لا الضم معاهو سكون»، ثم يستغيث بليل الغلابة قائلًا: «ضمني يا ليل الغلابة… ولمني ولفني وأبلعني في جوفك هناك وضمني». وسمعته يبعث برسالة عشق صافية:
«هاك حروف من زول بريدك… ريده صادقة بحسن نية… ريده من آخر ضميري ولأعز عزيز لدي».
ثم جاء الفنان الكبير صديق أحمد، رحمه الله، ليمنح الطنبور بعدًا آخر، فسمعته يغني: «ريدكم لي شديد يا يابا»، وسمعته يصف الأرض التي أحبها قائلًا: «الجزيري بقت مخادة… وتاني ختت طين زيادة… السواقي البي الغرب طلعت قصادا… وفي الضهارى الرملة الناس زرعت مقادا… الجرف سبروقو ملح… والبحر فات منو روح». وسمعته يجسد مرارة الفراق ويغني: «يوم بابورا قام فرا… وراهو أصبحت في حسرة… من الدبة وانجرا سريع النهمة فات تاجرًا… وجروح قلبي الابت تبرا».
وهكذا ظل الطنبور يصنع وجداني، حتى جاء عبد الرحيم أرقي، فأخذ المشعل ممن سبقوه، وأضاف إليه من روحه ما جعله واحدًا من أعظم الأصوات التي أنجبتها هذه المدرسة الفنية.
في فجر الخميس، الثاني من يوليو 2026، ترجل هذا الفارس الهادئ بعد رحلة طويلة من الإبداع والعطاء، إثر صراع مع المرض، فانطفأ صوت، لكنه لم ينطفئ أثره؛ وغاب جسد، غير أن حضوره سيظل مقيمًا في ذاكرة السودان كما تقيم النخلة في ضفة النيل، لا يغيرها تعاقب الفصول.
لم يكن عبد الرحيم أرقي مجرد فنان يؤدي الأغنيات، بل كان حارسًا لتراث كامل، وصوتًا يحمل هوية الشمال إلى كل السودان، ويعيد السودان كله إلى الشمال. كان يغني فتخرج الكلمات من إطارها الغنائي لتتحول إلى سيرة إنسان، وإلى اعترافات قلب، وإلى ذاكرة وطن.
فعندما غنى: «كل الغنا المجروح سكنتو أوتاري… يبكي وعليا ينوح… تبكيني أشعاري»، لم يكن يصف أغنية، وإنما كان يصف رحلته الفنية كلها؛ رحلة امتلأت بالشجن الجميل، حتى أصبحت أوتاره مأوىً للأحزان النبيلة. وكأن هذه الأغنية اليوم ترثيه قبل أن نرثيه نحن.
ومن روائعه الخالدة أغنيته التي صدح فيها قائلًا: «عافية منك وراضية عنك سو رضايا… وما بيخيب الرضا الودتو يا جنايا». وهي ليست مجرد أغنية، بل ملاذ وجداني لكل مغترب أنهكته المسافات، ونافذة واسعة أعادت إلى النفوس قيمة رضا الأم، ذلك الرضا الذي يفتح أبواب التوفيق قبل أبواب الرزق.
لقد استطاعت هذه الكلمات الصادقة أن تذيب قسوة الغربة، وأن ترد كثيرًا من الأبناء إلى أمهاتهم بقلب أكثر برًا ولسان أكثر اعتذارًا، حتى غدت نشيدًا للمحبة الخالصة، ورسالةً إنسانيةً ساميةً تعبر عليها الدموع قبل الكلمات، وتلتقي عندها القلوب قبل الأجساد.
ثم بلغ الذروة في تصوير الفقد وهو يناجي أمه: «القدر في يوم فرقنا… يوم بقيتي هناك براكي… يمة آه من حالي بعدك… يمة أنا اتعذبت وراكي… كنت بتفتش عنك أسأل وماني عارف سر مداك… أنا كنت فاكر الرحلة برهة… وتاني ترجعي لجناكي… إلا سفرك قالوا أبدي… يستحيل طبعًا لقاكي». فلا تكاد تسمعها إلا وتشعر أن الأم ليست شخصًا، وإنما وطن كامل.
وغنى للحب النبيل قائلًا: «باكر بجيك… قاطع مسافات العشم… شايل معاي هوى العيون… آمالي في أجمل نغم… باكر بجيك من سكة القلب العشق ذاتك سنين… باكر بجيك من صفحة الماضي الكان قاسي وضنين… خايف يكون زيف المدن غير أصالتك والحنين».
كما رسم وجع الخذلان بأقل الكلمات وأكثرها صدقًا حين غنى: «حبي أنا ليك كان زادي… وكان جوه الحنايا دفين… كنت بضاري من الناس… وخايف عليه من العين».
هكذا كان عبد الرحيم أرقي؛ فنانًا لا يغني ليطرب فحسب، وإنما ليحفظ ذاكرة الناس من النسيان. كان متواضعًا في حضوره، عظيمًا في أثره، قريبًا من الناس، كأنه واحد من أفراد كل أسرة سودانية. لم يتعالَ على جمهوره، ولم يغادر بيئته، فظل ابن الشمال الوفي، وابن السودان الذي آمن بأن الفن رسالة قبل أن يكون شهرة.
واليوم، إذ يترجل أحد أعمدة الطنبور، فإن الشمال لا يفقد صوتًا جميلًا فحسب، بل يفقد صفحةً كاملةً من تاريخه الشفاهي، ويفقد النيل واحدًا من أكثر الذين أنشدوا له صدقًا، وتفقد الأغنية السودانية قامةً ستظل شامخةً مهما طال الزمن.
رحم الله الفنان الكبير عبد الرحيم أرقي رحمةً تليق بعظيم عطائه، وأكرم مثواه، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأبدله عن تعب الدنيا راحةً أبدية، وعن ألم المرض عافيةً لا تنقطع، وعن ضيق الأرض سعة الفردوس الأعلى.
اللهم اجعل كل حرفٍ صدح به في الخير، وكل لحن أفرح به القلوب، وكل دمعة جففها بصوته، وكل برٍّ دعا إليه، نورًا يملأ صحيفته يوم يلقاك. اللهم آنس وحشته، واجعل القرآن جليسه، والرحمة لباسه، والرضوان مأواه، وألحقه بالصالحين، وارفع منزلته في عليين، واجعل ذكراه الطيبة باقيةً في الأرض كما يبقى الأثر الجميل بعد رحيل أصحابه، فإن الرجال يرحلون، ولكن المآثر الصادقة لا تعرف الغياب.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.

