حوارات ومقالاتقضايا إفريقية

سعد محمد عبدالله يكتب: أبيي بين الشرعية القانونية وفرص التكامل

 

 

كتب/ سعد محمد عبدالله

 

أعلنت الحكومة السودانية رفضها القاطع لقرار مفوضية الإنتخابات في جمهورية جنوب السودان، الذي قضى باعتماد دائرة إنتخابية تضم إدارية أبيي ضمن الإنتخابات العامة المقرر إجراؤها في ديسمبر 2026م، وأوضحت وزارة الخارجية والتعاون الدولي، في بيان صحفي، أن هذا القرار يتعارض مع بروتوكول أبيي، وإتفاقية السلام الشامل لعام 2005م، وإتفاقية عام 2011م، إضافة إلى قرار مجلس الأمن الدولي الموسوم بالرقم (2046)، داعيةً الأمم المتحدة وكافة الشركاء الإقليميين والدوليين إلى المجاهرة برفض أي إجراءات أحادية الجانب تُتخذ خارج الأطر القانونية المتفق عليها سلفًا، والإلتزام بالحلول السلمية القائمة على الإتفاقيات الدولية الموقعة بين الطرفين.

 

من الناحية القانونية والعملية، فإن الدول التي تجري إنتخاباتها خارج حدودها الجغرافية تعتمد في ذلك على بعثاتها الدبلوماسية أو مراكز إقتراع مخصصة لمواطنيها في الخارج، وفق القوانين المنظمة للعملية الإنتخابية، ودون أن يشكل ذلك مساسًا بوحدة وسيادة الدول المضيفة، أو تغييرًا للوضع القانوني للأراضي المتنازع عليها بأي حال من الأحوال؛ ومن ثم، فإن أي إجراء يتعلق بمنطقة أبيي ينبغي أن يخضع كليًا لنصوص الإتفاقيات المنظمة لوضعها الخاص، وألا يُفسر أو يُوظف بصياغات مختلة تخلق واقعًا سياسيًا أو قانونيًا جديدًا يتجاوز ما تم الإتفاق عليه آنفًا بين السودان وجنوب السودان، ومن الضروري الإتفاق على مبادئ العمل المشترك للحفاظ على الإستقرار في مثل هذه المناطق، التي لا تحتمل أي نزاعات سياسية أو عسكرية بقدر ما تحتاج إلى التوافق بين الدولتين.

 

بعيدًا عن المغالطات السياسية، أو التفسيرات القانونية المتباينة، أو تضارب المصالح، أو تناقض المواقف، أو الجدل الإعلامي، فإن منطقة أبيي تمثل واحدة من أهم مناطق التداخل الإجتماعي والتلاقح الثقافي بين الشعبين السوداني والجنوب سوداني؛ فهي ليست مجرد مساحة جغرافية معزولة عن وجدان شعبينا وذاكرة وطنينا، أو محل نزاع تتجدد حوله الخلافات بين الفينة والأخرى، بل تُعد فضاءً تاريخيًا تشكلت فيه، عبر قرون طويلة، روابط المصاهرة، والتجارة، والرعي، والتعايش السلمي المشترك؛ ولهذا، فإن تحويل أبيي إلى ساحة للصراع لن يخدم مصالح أي من الطرفين، بينما يمكن أن تصبح نموذجًا للتكامل الإقتصادي والإجتماعي والثقافي، وجسرًا للتعاون بين دولتين جارتين يجمعهما تاريخ طويل ومصير مشترك، بدلًا من أن تكون بؤرة للتوتر وعدم الإستقرار.

 

إن العبور إلى فضاءات المستقبل يقتضي النظر بعين فاحصة إلى أبيي باعتبارها مرآةً يُبصر من خلالها السودانيون، شمالًا وجنوبًا، مستقبلهم، وتمثل فرصة ثمينة لبناء الثقة، لا سببًا لتجديد الخلافات التي تضر بنا جميعًا؛ فطالما أن هناك خرائط تاريخية، ووثائق، وإتفاقيات، ومعاهدات معتمدة، فإن المرجعية القانونية تظل الأساس في أي عملية لمعالجة هذا الملف، بعيدًا عن التناطح عبر إتخاذ الإجراءات الأحادية أو التصعيد السياسي والتراشق الإعلامي؛ كما أن الحوار المباشر القائم على الوضوح والصراحة، والإحتكام إلى القانون الدولي، وتعزيز المصالح المشتركة، يمثل الطريق الأمثل للوصول إلى تسوية عادلة ودائمة تحفظ حقوق الجميع، وتسهم في ترسيخ الإستقرار بين السودان وجنوب السودان، وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون والتنمية المتوازنة بما يخدم شعبي البلدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي