زكاة سنار.. التاريخ يحط رحاله مجدداً

محمد عبد الله الشيخ
نصف رأي
لأن سنار هي الأصل، وعندها يكون القول الفصل، والصفحة الأهم في تاريخٍ تأخر ليلتفت إليه التاريخ، كالخيل الأصيلة التي تأتي في اللفة الأخيرة. ولأن سنار هي الثابت والميزان الذي تُقاس عليه وبه المتغيرات، ثابتة كثبات جبالها، وأوتاد الأرض في الدالي والمزموم وجبل موية، مهد التاريخ وملهم الثبات، وكردوس وتد شرقها، وجبل بيوت بوابتها الغربية؛ لهذه الأسباب، أطال العاملون بزكاة سنار وقت الحبك والحياكة، حتى جاءت نفرة الأمل في وثبتها الثانية عالية الشياكة، فكانت إحياءً للآمال، وارتياداً للآفاق، واستشرافاً للمستقبل.
في لجة الفقر المعتمة، جاءت نفرة الأمل لديوان الزكاة بولاية سنار على مشارف ختام النفرات، تحت شعار: «عبادة تتجدد وعطاء يتمدد». وما أعظم العبادة نفعاً كعبادة المال! ولأن خير الأعمال خواتيمها، سيرفع الأستاذ معتصم أحمد صالح، وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، كتاب أعمال الوزارة المثقل بالأرقام وعظيم الأثر، وبما يزخر به من روايات وقصص نجاح، إلى مجلسي السيادة والوزراء؛ ليروا حسن صنيع الزكاة، وكيف تُدار الأزمات، وكيف تنبع نجاعة التدابير والحلول من صميم الشرع الحنيف، دون منٍّ أو أذى، ولا سعر فائدة يُحسب، إلا ما يعود على المجتمع من دفع الضرر.
ولما كانت للسلطنة خصوصية متجذرة في التاريخ، فقد دفع الدكتور يحيى أحمد عبد الله القمراوي، الأمين العام لديوان الزكاة، بأحد أقوى الرجال عوداً، وأوسعهم تجربة، وأكثرهم خبرة ودراية. فبعد أن عبر الأستاذ بشير أحمد عمر بزكاة القضارف، وتربعت على عرش السبق، دفع به إلى سنار ليكمل ما بدأه سلفه، ويضع سنار على جادة طريق البذل والعطاء، مكافأةً لأهلها على حسن بلائهم؛ فهم شعب كان صعب المراس في حرب الكرامة.
نعم، ما يربو على ستة عشر ملياراً من مال الزكاة المبارك تنزّل خيراً وبركةً، دون منٍّ أو أذى، على أكثر من ثلاثة وستين ألف فقير، وفق تصنيفات الفقر ودرجاته التي أفرزتها عبقرية التطبيق في ركن الزكاة بالسودان. وقد فصّل الأستاذ بشير ذلك وهو يخاطب احتفال التدشين، فجاء العطاء ملامساً لحاجات الناس، ومناسباً لواقعهم، من خلال مشروعات إنتاجية لأهل الحرفة والصنعة، وأصحاب الأسواق، والعاملين في مجال النقل، بما يصون كرامة الأسر المتعففة ويحفظ ماء وجهها الذي كادت الحاجة أن تريقه.
وكانت حواء حاضرة بنصيب معقول، تمثل في دعم أرامل شهداء حرب الكرامة وأيتامهم، وبارك الله العطاء بما فاض منه لأهل القرآن. وهكذا امتلأت الأعين، ثم امتدت إلى ما وراء المشهد من دلالات ومعانٍ.
وكان حادي ركب الزكاة، ومطلق عنانها، قائد فريق الحماية الاجتماعية، الدكتور يحيى عبد الله القمراوي، مباركاً جهد العاملين، ومبدياً رضاه عن تميز سنار وتفردها بالشراكات، عبر «نفرة الشراكات». ويبدو أن سنار قرأت اتجاه الأمين العام، وسارت على خطاه في نهج الانفتاح، باعتباره أنجع الحلول وأسرعها في توفير المدد، ومحاصرة الفقر والتضييق عليه.
ثم جاء حديث الرضي في اللحظة الفارقة بين الأمل والواقع الماثل، عن كيفية تمثيل مشروعات الزكاة مدخلاً لكسر دائرة الفقر، وارتِياد آفاق الإنتاج. والحديث هنا لسعادة اللواء الزبير حسن، والي ولاية سنار ورئيس مجلس أمناء الزكاة، الذي رضي بهذه الرتبة الرفيعة، بما يُعرف عن ضباط الجيش من دقة الملاحظة؛ بما يعني أن الزكاة أفادت وأجادت.
ثم تحدث الأستاذ معتصم أحمد صالح، الذي لا يزال يحمل عصا الترحال بين ردهات التميز وسباق الخيرات بين الولايات، وقد امتلأت عيناه واطمأن قلبه إلى المشهد، لينتقل من تفاصيله إلى جوهر ما يقوم به ديوان الزكاة وما يحدثه من فوائد. فالزكاة، كما قال، ليست أموالاً تُجمع وتُوزع، لكنها وسيلة لتحقيق غايات تحفظ كرامة الإنسان، وصولاً إلى مجتمع العدالة والتكافل والتراحم.
نعم، هي مجموعة من الأقوال والأحاديث التي تناثرت وتواصلت لوصف المشهد والإحاطة به، ثم الوصول إلى ما وراء الحدث، بأعلى عائد من الفائدة، وهو خدمة الفقراء والوقوف إلى جانبهم؛ ليكون ديوان الزكاة حائط الصد الأول ضد نوائب الدهر، وامتصاص صدمات الحاجة والعوز، واحتواء ارتداداتها على الفرد والمجتمع.
وهكذا يصطف الديوان مع بقية مؤسسات الحماية الاجتماعية بوزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، ليكون عبّارة المجتمع إلى شاطئ الأمان.
هذا ما لديّ، والرأي لكم.

