الأخبارتقاريرثقافة وفنون

وغنّى الوداع للنيل الأزرق.. الدمازين تفتح أبوابها للإعلام وتقول: «أنتم في بيتكم»

 

 

الدمازين/ خالد الفكي

 

لم يكن المساء في مقر محافظ محافظة الدمازين يشبه نهايات الزيارات العادية. فحين اجتمع الوداع بالموسيقى، والتكريم بالامتنان، بدا أن أسبوعاً كاملاً من المشاهدة والرحلات والحوارات قد اختُصر في لحظة واحدة؛ لحظة لم تكن إعلاناً لنهاية زيارة وفد إعلامي إلى إقليم النيل الأزرق، بقدر ما بدت كأنها بداية لحكاية جديدة بين المكان ومن جاء ليحكي عنه.

في ذلك المساء، كرّمت محافظ الدمازين، فواتح النور بشير، الوفد الإعلامي الزائر بقيادة الخبير الإعلامي الدكتور جمال عنقرة، مدير مركز عنقرة للخدمات الصحفية، بحضور عدد من وزراء ومحافظي حكومة الإقليم، في احتفال امتزجت فيه عبارات التقدير بدفء الاستقبال، وتحولت فيه قاعة التكريم إلى مساحة للوداع الذي لا يشبه الوداع.

قالت بشير إن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للأخبار، بل أصبح أداة فاعلة في كشف الحقائق، خصوصاً في أوقات الحرب، واصفة إياه بأنه «سلاح يعكس الحقائق للناس».

ورأت أن الزيارات الميدانية تمنح الصحفيين فرصة لرؤية الواقع بأعينهم، بعيداً عن الصور النمطية والروايات المنقولة، ونقل ما شاهدوه إلى الجمهور في الخرطوم وأم درمان ومختلف أنحاء العالم.

وخاطبت الوفد قائلة: «نرحب بكم في النيل الأزرق، وأنتم تشرفوننا في هذه الأيام الجميلة. نشكركم على تلبية الدعوة رغم الإرهاق وضيق الوقت، وعلى مواقفكم النبيلة ووقوفكم إلى جانب كرامة الوطن».

كان الوفد قد أمضى نحو أسبوع متنقلاً بين مؤسسات الإقليم ومواقعه المختلفة، في برنامج ميداني مكثف، لم يترك للراحة إلا مساحات ضيقة. لكن ذلك الإرهاق، كما قالت المحافظ، كان ثمناً مستحقاً لرؤية الإقليم من الداخل، لا من خلال ما يُقال عنه، بل من خلال ما يرويه المكان بنفسه.

غير أن رسالة فواتح بشير تجاوزت حدود الشكر. فقد أرادت أن تقول إن النيل الأزرق لا ينبغي أن يُختصر في عناوين الحرب، ولا أن يُختزل في صور الدمار والصراع؛ فخلف الأخبار العاجلة، هناك إقليم نابض بالحياة، وأهل يفتحون أبوابهم، وطبيعة تنتظر من يكتشفها، وحكايات لم تجد طريقها بعد إلى العالم.

«أنتم في بيتكم».. كانت العبارة الأكثر حضوراً في خطاب المحافظ، وكأنها مفتاح المشهد كله. فزائرو النيل الأزرق، بحسب رسالتها، ليسوا غرباء عن المكان، بل ضيوفاً سرعان ما يتحولون إلى جزء من ذاكرته.

وفي لحظة عفوية، مازحت الفنان أمير حلفا قائلة إنه «أصبح مواطناً من النيل الأزرق»، في عبارة عكست حجم الألفة التي أحاطت بالوفد طوال أيام الزيارة، وحولت المسافة بين الضيف والمضيف إلى مجرد تفصيل عابر.

ودعت المحافظ الإعلاميين إلى تقديم صورة أكثر اكتمالاً عن الإقليم، لا تكتفي برصد الأحداث، بل تفتح نوافذ على جماله الطبيعي وإمكاناته السياحية. وقالت إن ضيق الوقت حال دون تنظيم زيارات إلى خزان الروصيرص ومحافظة باو ومناطق أخرى، مؤكدة أن النيل الأزرق يملك الكثير مما يستحق أن يُرى ويُروى.

وحين اقترب موعد الرحيل، لم يسمح المكان للوداع بأن يمضي صامتاً. صعد الفنان أمير حلفا إلى منصة الغناء، فأشعل المساء بأغنياته، فيما قدمت الفنانة عائشة موسى، الشهيرة بـ«الفلاتية»، إبداعات من روائع الفنانة الراحلة الفلاتية. وهكذا امتزجت الكلمات بالألحان، وتحول الحفل من مناسبة لتكريم الضيوف إلى احتفاء بالمكان نفسه؛ بذاكرته وأصواته وحنينه.

وبينما كان الوفد يستعد لمغادرة الدمازين، كانت الرسالة قد اكتملت: الإعلام ليس نافذة يرى العالم من خلالها النيل الأزرق فحسب، بل جسر يعبر عليه الإقليم إلى العالم.

جددت المحافظ شكرها للوفد الإعلامي، متمنية له رحلة عودة آمنة، ومؤكدة أن أبواب النيل الأزرق ستظل مفتوحة أمام الصحفيين والإعلاميين.

ولم يكن ذلك المساء، في حقيقة الأمر، خاتمة الحكاية. فحين غادر الوفد، بقيت خلفه كاميرات ودفاتر ووجوه وذكريات؛ وبقي في الإقليم كثير من القصص التي لم تُروَ بعد.

ولعل أجمل ما في الوداع أن بعضه لا يكون نهاية الطريق، بل أول الطريق إلى عودة جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي