تقاريرحوارات ومقالات

مدينة تحاصرها الجبال والبحر المالح والصيف .. وداعا بورتسودان الجميلة.

د/ محمد الشنيدي .. تلفزيون السودان.

 

في يوم الأحد الموافق 19 أبريل 2026, غادر فريق تلفزيون السودان مدينة بورتسودان علي متن بص “بوادينا” السياحي، عائدا الي العاصمة الخرطوم، الي العاصمة الوطنية أم درمان. وذلك بعد ثلاث سنوات قضاها التلفزيون القومي خارج العاصمة لأول مرة في تاريخه منذ تأسيسه في العام 1962م، وكانت فرصة تاريخية أن يعمل التلفزيون من شرق السودان الاقليم، ومن بورتسودان المدينة، ومن فضائية البحر الأحمر المباني. وهذه تجربة جديرة بالتقييم والدراسة، ليس فقط للجانب الانساني النبيل، ولكن أيضا للجانب المهني من حيث العلاقات الاتحادية والولائية الرأسية والأفقية، وتكامل الاعلام الاتحادي مع الاعلام الولائي، لتبني القضايا القومية والوطنية، والسياسات الكلية للدولة. وتبدو الحاجة ملحة لربط الفضائيات الولائية مع التلفزيون القومي، واعطائها مساحات زمنية لمخاطبة وتعزيز الوجدان القومي. واني لاعتقد أن التعويل علي دور الاعلام في التماسك الوطني بعد الحرب هو واجب ومسؤولية والتزام.

 

تقع مدينة بورتسودان جغرافيا في الزاوية أو الكورنر الشمالية الشرقية للسودان. ولذلك ليس من السهل أن تعتبرها محطة عبور. (او تجي غاشيها) مثلما تستقبل يوميا مدن مثل مدني وعطبرة وكوستي والأبيض وغيرها مئات العابرين جيئة وذهابا، غدوا ورواحا، وبورتسودان بهذه الرؤية تبدو وكأنها معزولة جغرافيا، لكنها في زمن الحرب كانت بوابة الدخول والخروج الوحيدة عبر البحر والجو.

ولأن المدينة تحاصرها الجبال والبحر الأحمر المالح والصيف، فقد تميزت بخصوصية وهوية مختلفة عن كثير من مدن السودان.

 

تشير الروايات والحكايات الي ارتباط اسم بورتسودان باسمين قديمين، الاسم الأول برغوث، وهو رجل دين، ولذلك عرفت بورتسودان قديما باسم مرسي الشيخ برغوث. والاسم الثاني هو برؤوت، ويبدو أن أهل المدينة يميلون أكثر الي اسم برؤوت، بدليل أن هنالك مستشفي، وصحيفة محلية، ومركز دراسات، ومجلة، وعدد من المحلات تحمل اسم برؤوت.

 

تذكرني مدينة بورتسودان بمدينتين في غرب السودان هما الجنينة ونيالا.

فمدينة بورتسودان تقسمها ترعة، أو خور كبير، أو لسان، أو مسطح مائي يخرج من ساحل البحر الاحمر لينسرب ويتوغل في هدوء الي داخل المدينة، ليقسمها الي قسمين شمالي وجنوبي، ويمكن للانسان ان يتأمل هذا المنظر وهو يعبر كبري هدل، الذي يربط الجانبين. وبهذا التوصيف تكون المدينة منقسمة الي شمال وجنوب. فالأحياء أو الديوم الشمالية شمالا، والأحياء والديوم الجنوبية جنوبا، ويوجد أيضا الميناء الشمالي، والميناء الجنوبي، وعلي ضفاف هذا المسطح المائي قد تم انشاء ما يعرف بالسي لاند (Sea Land) أي (أرض البحر)، وهو مكان للتنزه وتقديم خدمات الترفيه، ويزدحم هذا المكان في الأمسيات بأهل وزائري وضيوف المدينة. وأرض البحر هو تطبيق أكبر وأوسع لشارع الكورنيش المطل علي ساحل الميناء، والذي يعتبر أيضا مكانا للترفيه وقضاء الأمسيات الجميلة.

 

ووجه الشبه مع مدينتي الجنينة ونيالا، هو أن وادي كجا يقسم مدينة الجنينة الخضراء الي قسمين. بينما يقسم وادي بيرلي مدينة نيالا الخضراء الي نصفين.ويصل عرض الوادي في فصل الخريف الي عرض نهر النيل تقريبا.

 

مدينة بورتسودان تقع علي الساحل والذي يصفونه بالبحر الأحمر، بينما هو في الواقع غارق في اللون الأزرق. وبالتالي فهي مدينة ساحلية. وعالميا تتميز المدن التي تقع وتطل علي السواحل بنكهة خاصة، وحياة مختلفة. وبالرغم من أن طائر النورس هو صديق هذه البيئة، ومرتبط بالموانئ والبحار، الا أن طائر الغراب هو المسيطر علي مفاصل مدينة بورتسودان الساحلية.

 

ساحل البحر الأحمر الذي يمتد لأكثر من 800 كيلومترا هو السبب في أن تكون بورتسودان هي الميناء الرئيسي والوحيد في السودان، ومن هنا جاءت تسمية بورتسودان من الترجمة الانجليزية المباشرة (Port Sudan).

 

ويعود الحديث عن التفكير في ميناء بورتسودان الي بداية القرن الماضي في العام 1900م، بينما يشير التاريخ الي أن تأسيس الميناء يعود للعام 1909م، ولذلك يتسني لأهل المدينة الحديث عن تاريخ يبلغ قرن وربع قرن من الزمان لاسم بورتسودان، والذي يتردد صداه في كل أنحاء السودان، وفي المحيطات والموانئ والبحار، وفي كل أركان الدنيا. وهو اسم جميل وحبيب يطرب له أهل بورتسودان من كل قلوبهم.

 

 

وبما أن المدينة قد قامت في الأصل علي الساحل، فمن البديهي أن تشتم رائحة البحر في كل سكنات وخلجات وأنحاء المدينة، حتي هلال الساحل، وكلية علوم البحار في جامعة البحر الأحمر, وبورتسودان أكواريوم وهو اول متحف بحري في السودان. وفي كل مكان، ومن الملاحظ أنك لو نويت الذهاب الي ساحل البحر الأحمر العريض والمهيب، فلا بد لك أن تحمل معك ماء للشراب، ماء عذبا زلالا، لأن ماء البحر ملح أجاج. بل وحتي أنت تسبح داخل مياه البحر، لا بد لك أن تتزود بماء الشرب. ولذلك تنتشر في المدينة محطات تحلية المياه بشكل لافت، بل وهي واحدة من شرايين المدينة. بجانب خور أربعات الذي يمثل المصدر الرئيسي لمياه الشرب.

 

أما اذا انعطفت الي (السقالة)، وهي سوق يقع ويطل علي الساحل متخصص في بيع عدد من أنواع الأسماك البحرية، فسوف تستمتع بوجبة هنية من السمك المشوي، الا أن الذين استوطنوا علي ضفاف نهر النيل أو النيلين الأزرق والأبيض ثم جاؤوا زائرين الي بورتسودان فربما لا يستمتعون بسمك البحر، وربما هذا هو السر في أن أسماك الأنهار هي الأعلي سعرا من أسماك البحار في المولات ومراكز التسوق العالمية.

 

أما أكبر المؤسسات علي الساحل، والمنوط بها ادارة وتشغيل هذا الساحل هي هيئة الموانئ البحرية، لؤلؤة المدينة، وقلبها النابض، وعنوانها الأبرز. وهي تشبه رئاسة هيئة السكة حديد في عطبرة. ومشروع الجزيرة في ود مدني من حيث الأهمية والتأثير والتوظيف.

وهذا ما يفسر أن الانتماء والعمل في هيئة الموانئ البحرية يعني ضمنيا الاستقرار المالي، والحالة الاقتصادية الطيبة، وتشير الأرقام الي أن الهيئة تضم حوالي 14000 موظفا وعاملا. وعبر تاريخ المدينة فان لهيئة الموانئ البحرية أياد بيضاء علي مجتمع المدينة.

 

يقيني أن مدينة بورتسودان محروسة بالذكر والقران الكريم، فمن الملفت انتشار المساجد والزوايا في كل الأنحاء، وحينما سألت من عدد المساجد والزوايا علمت انها 861، وبالتأكيد هذا رقم كبير، بذل فيه الخيرون من أبناء المدينة مجهودات كبيرة لتوفير التمويل والجهد والحركة والبناء والتشييد، وقد سميت بعض المساجد بأسماء أبناء بورتسودان الذين قاموا بتشييدها.

 

ما يميز مجتمع المدينة هو أنه مترابط ومتواصل، ومفعم بالعشرة والمحبة، حتي يخيل اليك أنهم أسرة كبيرة، ومبعث هذه الحميمية والتواصل الانساني هو طبيعة النظام المعماري للبيوت والأحياء. فيبدو أن تخطيط عدد من أحياء المدينة في الماضي، والتي هي بمثابة نواة للمدينة، كانت مساحات البيوت فيها تتراوح بين 200 و 300 متر، بل وعندما توسعت وازدادت الأسر في وقت لاحق، ومع مرور الأيام والسنوات، انقسمت هذه المساحات الي نصفين. وبالتالي أصبح الناس متقاربون في المنازل. متقاربون في القلوب. وأصبحت الجيرة والجيران درجة من درجات الرحم والأهل. ويقيني أنه وبالمعايير العالمية فان الكثافة السكانية في الكيلومتر المربع الواحد في بورتسودان هي نسبة عالية، ورقم كبير. وهذا ربما يتناقض مع حقيقة أن الولاية فيها مساحات كبيرة غير مأهولة بالسكان، أو أن عدد السكان قليل في الكيلو متر المربع الواحد. كما انها في السياق القومي تعتبر ولاية البحر الاحمر من الولايات ذات الكثافة السكانية دون المليون نسمة. هذا قبل ان تخلف الحرب واقعا سكانيا مغايرا، وارقاما جديدة.

 

وفي اطار هذا النظام المعماري فمن الملاحظ أن باب صالون أو ديوان الرجال في البيوت يطل مباشرة علي الشارع، مما يجعل شكل البيوت تتمتع بالشرعية المطلقة. وربما هذا واحد من انعكاسات الثقافة والقيم المحلية علي الخريطة المعمارية والهندسية للبيوت.

 

وبهذه الخلفية فان الشارع من ناحية سيكلوجية هو جزء من البيت، وامتداد طبيعي وجغرافي ونفسي للبيوت. ومن المناظر الجميلة التي استهوتني وعجبتني في مدينة بورتسودان هي منظر الأسر أو الرجال أو النساء أو الشباب أو الأطفال وهم يتحلقون أمام البيوت، في الكراسي والبنابر والسراير خاصة المعروفة ب (حسن عدس)، في أوقات الأصيل والأمسيات. وهي جلسات أسرية، ولمة جيران، تجملها الأريحية والتلقائية والحميمية. ومن الملاحظ أن المارة يحترمون خصوصية هذه الجلسات. فلا يتطلعون اليها، ولا يسرقون او يتعمدون النظر الي هذه التجمعات.

 

ولاحظت أن هناك ثقافة مجتمعية سائدة في بورتسودان، وهي أن المارة في الشوارع يتجنبون بشكل بائن النظر الي داخل البيوت عبر الشبابيك والأبواب المفتوحة المطلة مباشرة علي الشوارع، وهي درجة من درجات احترام خصوصية الأسر. وقد لاحظت هذا بشكل شخصي حينما سكنت مع أسرتي في حي كوريا. وبالتأكيد هذه ميزة بورتسودانية.

 

وفي أيام الصيف تتحول المساحات أمام البيوت في الشوارع الي ساحات للراحة والاسترخاء والنوم. ومن الطبيعي أن تري بعض الأسر في ليالي الصيف وهي نائمة أمام البيوت. وقد قضيت أنا وأسرتي بعض الليالي في الشارع أيام الصيف وانقطاع التيار الكهربائي، وكانت بالنسبة لنا تجربة جديدة أن ننام في الشارع، وقضينا الليل نتأمل هذه التجربة، وقد أرقنا السهر في الليلة الأولي، قبل أن يجبرنا النعاس لأن نستسلم ونخلد للنوم.

كانت تجربة جديدة لكنها جعلتنا نشعر بما يشعر به أهل بورتسودان، ونعيش حياتهم، ونندمج في واقعهم، ونتذوق تجربتهم، فللمعايشة طعم خاص.

 

يعتبر سوق بورتسودان الكبير سوق كبير وتاريخي ومتطور، وفيه بعض المباني القديمة والأثرية التي لفتت انتباهي، لأنها تعبر عن رمزية وخصوصية المدينة، وأتمني أن تحول الي متاحف، وان توظف للسياحة، وألا تطالها ثورة التحديث.

 

من الملاحظ أن الناس ليس بالضرورة أن يذهبوا الي السوق الكبير للتسوق، انما الأسواق في بورتسودان هي التي تأتي الي الناس في أحيائهم ومنازلهم. وما يميز بورتسودان هو انتشار الأسواق وسط الاحياء. وهي اسواق مشهورة, يحمل بعضها أسماء الأحياء، مثل سوق ابو حشيش، سوق سلبونا، سوق هدل، سوق القادسية، سوق ديم سواكن وسوق ترانسيت.

 

وهناك أسواق لها أسماء غير مرتبطة بأسماء الأحياء مثل سوق المنقبة، وسوق أكورد، وسوق حجر أساس، وسوق نفرين، وسوق ام سوقو وغيرها.

 

تنتشر في مدينة بورتسودان الأندية الرياضية والثقافية والاجتماعية بشكل ملفت، ومن الممكن أن نطلق علي مدينة بورتسودان “مدينة الأندية”.

فمن ناحية رياضية فان المدينة مولعة ومغرمة برياضة كورة القدم، حتي يكاد “الكفر” أن يكون واحدا من شعاراتها ومعالمها، ومن الأرقام اللافتة أن عدد أندية الناشئين 160، بينما يصل عدد الاندية الرياضية الكبيرة الي 36 ناد، ويعتبر نادي حي العرب من الأندية العريقة لأنه تأسس في العام 1928. أي قبل حوالي ثلاثين عاما من انشاء استاد بورتسودان في العام 1957, بعد استقلال السودان بعام.

 

هذا غير الأندية الفئوية والمهنية مثل نادي الموانئ البحرية، أحد واجهات المدينة الأكثر شهرة. بجانب الأندية المطلة مثله مباشرة علي ساحل البحر وهي نادي الشرطة، ونادي القوات المسلحة، والنادي العالمي. أما في قلب السوق الكبير فنجد الناديين المتجاورين (الحيطة بالحيطة) وهما نادي حي العرب ونادي الهلال. كما توجد أندية أخري مثل دار المخلصين، ودار المصارف، ونادي العاملين في مصفاة البترول، ونادي الخريجين، ونادي الفنانين وغيرها. بجانب الأندية الاجتماعية والثقافية. ويكاد لا يخلو حي من الأحياء من ناد رياضي أو ثقافي أو اجتماعي. ولك أن تتخيل دور هذه الأندية في حياة الناس، وانعكاسها علي التواصل الاجتماعي والانساني.

 

من مظاهر بورتسودان الاجتماعية أيضا انتشار القهاوي، وهي ليست أمكنة للقهوة والشاي السادة واللبن، وانما هي مؤسسات اجتماعية للتواصل الاجتماعي. كما أنها منصات مفتوحة للنقاش حول القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. ولا شك أن الجبنة الشرقاوية بالجنزبيل تساهم في دعم وتعزيز الكثير من الأفكار المشتركة، عبر الجلسات الجماعية.

 

من الأحياء الجديدة في المدينة حي المطار، وهو مسمي علي مطار بورتسودان القديم الكائن في قلب المدينة في الديوم الجنوبية، والذي تأسس في العام 1981م، أي قبل 11 عاما تقريبا من بناء مطار بورتسودان الجديد في العام 1992م الذي بني خارج المدينة علي بعد حوالي 25 كيلومترا من المدينة.

 

العبرة ليس فقط في أن حي المطار هو حي جديد، لكن ما هو جديد هو شكله وطريقة حياته. فما هو معروف أن بيوت ومباني ,(بعض) الأحياء القديمة كانت في الماضي مبنية كلها من الخشب، ثم في وقت لاحق بنيت بالطوب البلك والأسمنت. وبظهور حي المطار ظهر البناء المسلح بالأسمنت والخرصانة. صحيح أن أحياء مثل ترانسيت وديم مدينة وديم سكة حديد والشاطئ وحي الأغاريق، ثم الخليج وهدل وغيرها قد سبقت حي المطار في البناء المسلح، بجانب عدد من المباني في السوق والمقار الحكومية القديمة.

 

لكن في حي المطار ظهرت المساحات الكبيرة للبيوت، والعمارات الطويلة، والطوابق المتعددة، والخرائط المعمارية الجديدة، والشركات والمحلات التجارية الحديثة، وبعد الحرب ظهرت السفارات، ومنظمات الأمم المتحدة، والمنظمات الأخري المحلية والاقليمية والدولية.كما سكن في الحي عدد كبير من الوافدين والمسؤولين في الدولة، وفي القطاع الخاص، وفي المنظمات والشركات، وجاء الأجانب من الجنسيات المختلفة من عدد كبير من الدول وسكنوا في حي المطار، وهكذا ظهرت (بورتسودان جديدة) داخل بورتسودان القديمة. وليس بالضرورة أن تتشابه المدينتان، لكني اعتقد أن ما يفرقهما أكثر مما يجمعهما، خاصة في جوانب التواصل الانساني، والتاريخ الاجتماعي المشترك، وتقاسم الذكريات السعيدة والحزينة.

 

كنت في وقت سابق أستغرب من حب أهل المدينة الزائد لمدينتهم، ولاحظت أنهم لا يرضون التعليقات والملاحظات السالبة، ولا يستسيغون النقد، أو حتي الايحاء السالب لمدينتهم، ولكني بعد أن استقريت في بورتسودان لمدة سنتين، وعايشت أهلها، واندمجت في مجتمعها، أصبحت واحدا منهم، أفكر مثلهم، فوجدتني لا أرضي أي نقد أو كلام سالب عن بورتسودان، هكذا أصبحت مشاعري، وحقا الحب أعمي. وبورتسودان مدينة تحبها وتعشقها دون أن تعرف ما هي دوافع وأسباب هذا الحب والعشق.

 

وربما من الأسباب القوية التي جعلتني ارتبط بالمدينة، هو وجود عدد كبير من الأسر من أهلي وأرحامي وأقاربي من قرية جاد الله، ومحلية بربر بولاية نهر النيل، والمقيمين في مدينة بورتسودان لسنوات طويلة، وعبر أجيال متعاقبة.

 

وداعا بورتسودان الجميلة، فقد احتويتيني. كما احتويت ورحبت وفتحت ذراعيك وقلبك لمئات الالاف من السودانيين الذين أجبرتهم الحرب علي ترك أراضيهم، ومغادرة مراتع الصبا، والذكريات الخضراء، والفرار من ديارهم وبيوتهم وقراهم ومدنهم، وأحبائهم وأهلهم، ويمموا صوب بورتسودان، فكانت الملاذ الدافئ، والشجرة الظليلة، والدوحة الباردة، والتي التمسوا فيها الأمان والصفاء والاستجمام والطمأنينة.

 

وداعا أهل بورتسودان، أتمني أن أشد علي أيديكم فردا فردا، وأنتم تشكلون نسبجا اجتماعيا يضم كل أهل السودان، في لوحة أخاذة ومنظر جذاب.

 

وداعا الجبال الراسيات، والتي تقف علي جانبي الطريق القومي المؤدي الي المدينة، ولا شك أن هذه الجبال تتأمل القادمين الي بورتسودان والمغادرين منها، وهم يشكلون حركة انسانية وبشرية وتجارية ورسمية وشعبية لأجيال متعاقبة ولمئات السنين. ولا شك أن هذه الجبال لو نطقت لأفصحت عن سيل من القصص والحكاوي والأسرار.

 

وداعا البحر الأحمر، وأنت تستقبل الزوار والسياح، والباحثين عن الراحة والطمأنينة علي ساحلك الذي يهب الحياة معني ومغزي، وبين يديك تضج الحركة التجارية والانسانية، وداعا البحر الأحمر وأنت تعلم أسرار المطامع الاقليمية والدولية علي مواردك، وموقعك الفريد، وداعا رمز السيادة الوطنية.

 

وداعا صيف بورتسودان، والذي أجبر السكان يوما ما علي افطار شهر رمضان، ورغم هذا فحينما تشتد حرارة الصيف، يتصالح سكان بورتسودان معها، ولا يتضجرون منها، ولا تتوقف الحياة عندهم، بل تستمر كما لم يكن شيئا، وهم يدركون في قرارة أنفسهم، أن الصيف سينتهي يوما ما، وأن الربيع قادم، والشتاء يتلألأ في الأفق البعيد، والنسيم العليل سوف ينساب من بين السهول والجبال والسواحل البعيدة، وسوف تفيض المدينة بجمال الطقس والهمبريب والضباب، والشتاء الممطر.

 

وداعا بورتسودان الجميلة.

وداعا من القلب.

وداعا والدموع خلف الماقي.

حفظكم الله.

وأدام الله الوصل بيننا.

ومع السلامة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى