محمد هارون عمر يكتب: الغزو الثقافي يخلخل الواقع الاجتماعي

وهج اليراع
كتب/ محمد هارون عمر
تحمل وسائط العولمة رسائل مزدوجة ومفخخة إلى مجتمعات العالم الثالث. ويتمثل جوهر هذه الرسائل، المعدة بعناية، في تغريب العالم الثالث ودمجه في الحضارة والثقافة الغربيتين.
ويعتقد منتجو تلك الرسائل أنهم إنسانيون ومتحضرون ومتمدنون، ويرون أن الدين الإسلامي عقبة كأداء وعدوهم اللدود؛ لأنه يحول دون دمج المجتمعات الإسلامية في الحضارة الغربية. كما يعتقدون أن العقيدة الإسلامية تمثل حصناً حصيناً للمسلمين، وأنها تؤسس لحضارة وثقافة مغايرتين للحضارة الغربية، ولذلك ينبغي ـ من وجهة نظرهم ـ تجفيف منابعها ومناهلها لتحل محلها الحضارة الغربية، فكانت محاولة دمج الأديان عبر فكرة “الديانة الإبراهيمية”، ولكن هيهات.
إن القول بأن الإسلام يحول دون ذوبان ثقافة المسلم يحمل شيئاً من الحقيقة؛ فقيم ومثل المجتمعات الغربية تختلف عن قيم ومثل الشعوب الإسلامية، لأنها تستمد حضارتها وثقافتها من دينها وتراثها. ورغم أن أغلبية المسلمين غير متعصبين، وقد عاشوا في الغرب وكانوا خير سفراء للتسامح، فإن الإسلام في جوهره رسالة حضارية للبشرية جمعاء.
غير أن جماعات التطرف والهوس الديني المؤدلجة ارتكبت فظائع وجرائم بشعة تقشعر لها الأبدان، من بينها الهجمات الانتحارية التي استهدفت النصارى واليهود، وهم في ذلك يشبهون الخوارج الأزارقة، أتباع نافع بن الأزرق، الذين كفّروا مخالفيهم وقتلوا حتى أطفال خصومهم. وقد جعل هذا الغلو الإسلام يُنظر إليه ظلماً على أنه دين إرهاب، بينما الإسلام بريء من ترهاتهم وخزعبلاتهم.
ثم أدرك الغربيون أن الإسلام دين وسطي وإنساني، يرفض الإرهاب الذي يمثل شذوذاً وانحرافاً عن تعاليمه. فقد أخطأ المتطرفون الضالون حين شوهوا سمعة الدين الحنيف، ولم يسلم المسلمون أنفسهم من شرورهم ورعبهم وتزمتهم، الذي أساء إلى الإسلام والمسلمين. كما أن وجود المسلمين في الغرب لعقود طويلة، إلى جانب التجربة التاريخية للاستعمار، يؤكد أن الإسلام دين تسامح وسلام.
ورغم ذلك، ستظل تلك الرسائل تُبث لضرب جذور الثقافات المحلية، ليحل محلها الفكر الثقافي الغربي، كما لخصه فرانسيس فوكوياما وصمويل هنتنغتون في أطروحتي “نهاية التاريخ” و”صراع الحضارات”. ويعني ذلك، من منظورهم، أن النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الغربية تمثل خاتمة المطاف والنموذج الأمثل الذي ينبغي أن يُحتذى، وأنها خلاصة التجربة الإنسانية. ويقدم الغرب نفسه بوصفه المفكر والمنظّر لمجتمعات العالم الثالث، بزعم محو الثقافات التي يصفها بالرثة والمهلهلة.
وتنتقل هذه الرسائل الخطيرة عبر المسلسلات والأفلام والفنون الأدائية والتشكيلية، والبرامج الثقافية والفكرية في القنوات الفضائية، وحركة الترجمة، والمناهج التعليمية والتربوية، التي ترسخ وتعزز القيم الغربية، خاصة لدى الذين يدرسون في الغرب. كما تبث القنوات كل ما يسهم في تفتيت وتفكيك وإذابة الثقافات المحلية.
إن التصدي للغزو الثقافي يتطلب برامج علمية وفكرية وثقافية، وتجويد المستوى الثقافي والروحي وتطويره، والاهتمام بالفنون الوطنية حتى لا ينحرف الشباب، كما حدث في المجال الرياضي. فاليوم يشجع كثير من شباب العالم الثالث الفرق الأوروبية، متخلين عن الفرق المحلية، وهو أحد أبرز آثار الغزو الثقافي. ويأتي الغناء والدراما في المرتبة الثانية، إذ أصبح هناك قبول واسع للفن الغربي على حساب الفن المحلي، وقد يحل الغناء الغربي محل الغناء المحلي إذا لم يُتدارك الأمر.
إن هذا الغزو، بما يمتلكه من أدوات مؤثرة وجاذبة، سيغير حتماً قيم وسلوك مجتمعات العالم الثالث، ويبدو أثره أكثر وضوحاً في مجتمعات القارة الأفريقية، حيث يقدس كثيرون كل ما يأتي من الغرب. وبرز جيل من “الخواجات السمر” يتفاخرون بانتمائهم إلى تلك الثقافة، على اعتبار أنهم مسيحيون و”خواجات سود”، متناسين أن القوى الاستعمارية نفسها استعمرتهم واستعبدتهم وباعت أسلافهم للعمل في مزارع البيض في أمريكا.
لقد مسخ هذا الغزو الهوية في بلدان كثيرة، وفي العالم العربي ظل الدين يشكل سداً أمام الاستلاب الثقافي. كما ثبت أن الأفارقة أكثر تأثراً بالغزو الثقافي، خاصة في الفنون والقيم الوافدة، نتيجة الإعجاب المفرط بالغرب وقيمه الثقافية، وبسبب الآليات المؤثرة والجاذبة التي يستخدمها.
ولقد مهد الاستعمار لهذا الاستلاب الثقافي الذي شوه الهوية ومسخها، وقد صوّر الروائي النيجيري تشينوا أتشيبي، في روايته «الأشياء تتداعى»، الخراب الذي أصاب تلك المجتمعات جراء الاستعمار. وما برح الاستعمار الحديث ينفث سمومه، ويمضي في مد جسوره الثقافية والفكرية عبر الأنماط العولمية الطاغية والمتمددة.

