محارق المليشيا في البركة وسالي قصاص أبي شندي وحي الهجرة

محمد عبد الله الشيخ
نصف رأي
قلنا ونكررها بإصرار إن المليشيا ساقها سوء قدرها، وسوء تفكير قادتها، وقلة درايتهم، وانجرارهم وراء رغبات الوكيل المُخدِّم، إلى فتح جبهة النيل الأزرق لوقف زحف الجيش نحو دارفور، تحت لافتة ما يُسمى «دولة تأسيس». فكان دخول النيل الأزرق وبالًا عليها، ولم ولن تحصد منه إلا الخيبات والخيبة تلو الأخرى.
فإقليم النيل الأزرق يختلف عن غيره في كل شيء؛ في طبيعة أرضه وتضاريسها الوعرة، وصلابة عنصره القتالي، وقوة ارتباط أبنائه بأرضهم، المستمدة من دلالات التاريخ، واستعدادهم للذود عنها بكل غالٍ ونفيس.
لهذا، كانت مغامرة المليشيا بدخول الإقليم، اعتمادًا على خيانة أبي أحمد، الذي يلعب بالنار دون حساب للعواقب، مغامرةً ارتدت تداعياتها على جبهته الداخلية، فاشتعلت النيران في نواحيها، وأصبح عاجزًا عن تقديم ما طُلب منه لصالح المليشيا، وهو حائر آسف، يلقي الاتهامات جزافًا.
نعم، أوقعت المليشيا نفسها في مصيدة؛ البقاء فيها مهلكة، والخروج منها فناء. لكن، من من قادة المليشيا يجرؤ على أن يقول للدويلة الكفيلة: «كلا، إلا النيل الأزرق»؟
هذا، لو أن أبناء النيل الأزرق داخل المليشيا، أو في قوات جوزيف توكا، يُحسب لهم حساب، أو يُعتد برأيهم، وهم أنفسهم يفتقرون إلى الرأي السديد. فبدلًا من أن ينصحوا المليشيا بما رأوه واختبروه خلال محاولاتهم المتكررة، وجد بعض أبناء النيل الأزرق في صفوف المليشيا، ممن أعمتهم أحلامهم، سانحةً لتحقيق ما عجزوا عنه سابقًا، ومعانقة أحلامهم بالظفر بالدمازين العصية الحسناء، التي أعجزهم مهرها حتى حين كانوا يملكون العدة والعتاد، والذهب المسروق من أعناق الحسناوات في الخرطوم والجزيرة، ويهاجمون بمئات السيارات القتالية وآلاف الجنود.
وليتهم قرأوا نزار قباني، الذي نستعيره مجازًا لوصف الحسناء الدمازين:
«بحياتك يا ولدي امرأة،
فمها مرسوم كالعنقود،
عيناها سبحانك، سبحان المعبود.
من حاول أن يدنو من سور
حديقتها مفقود،
من حاول فك ضفائرها مفقود.
ستعيش كثيرًا يا ولدي،
وتهيم كثيرًا يا ولدي،
وتموت كثيرًا يا ولدي،
وتعود حزينًا كالصفصاف».
نعم، ها هم مقاتلو المليشيا يعودون أكثر حزنًا من طائر الصفصاف، بعد أن هاموا وشغفوا حبًا، وزاغت عيونهم من غزل الدمازين، فماتوا وسُحلوا وقُتلوا، وجُرّدوا من آلياتهم وأسلحتهم التي لم تمكّنهم من الثبات.
وعرفوا كم هي بعيدة المسافة بين الحلم والواقع، وبين الحقيقة والخيال، كما عرفوا الفرق بين الرجال أصحاب الحق، والمرتزقة المأجورين للقتال.
لقد كذبوا على أنفسهم حتى صدّقوا أكاذيبهم بشأن دخول الدمازين والرصيرص، وملأ مرجفوهم الدنيا بالشائعات والإرجاف والتخويف، حتى خُيّل إليهم، في خيالهم المريض، أن أبطال الفرقة الرابعة سيهربون، وستلحق بهم كتائب الشهيد الدحيش، والشهيد خالد، والمانجل أدهم، والعمدة صالح، ومجتبى الدقيل، ولواء عبد الله جماع.
ظنوا أن شائعاتهم ستهز ثبات هذه الأوتاد وتزحزح هذه الجبال، فجاءهم الرد في مغامرة دخول البركة وسالي، قصاصًا، وفق قراءة الكاتب، لما جرى من استهداف الأبرياء في معسكر أبي شندي وحي الهجرة بمسيّرات إماراتية.
وكل من هلك حرقًا، بحسب هذا المنطق، لا بد أنه كان وراء مقتل بري في مكان ما! هكذا يكون الجزاء حسابًا ودرسًا لن ينسوه، وعبرةً وعظةً لمن يتعظون.
لكنهم هربوا يرتعدون، تاركين خلفهم سياراتهم وأسلحتهم وقتلاهم وجرحاهم، لا يلوون على شيء مما حلموا به وراودتهم أنفسهم المريضة لتحقيقه. هكذا، في نظر الكاتب، يكون جزاء العقوق.
وهنا ستُكتب النهاية التي تسر كل صديق وتغيظ كل عدو. هنا، في النيل الأزرق، سيُكتب الفصل الأخير والمشهد النهائي من مسرحية المليشيا العابثة، وستُسدل الستارة على تراجيديا نهايتها المأساوية، على أيدي أبطال الفرقة الرابعة بقيادة اللواء إسماعيل الطيب، وقائد سيطرة النيل الأزرق اللواء الدكتور الوليد عبد القادر، وقوات الجبهة الثانية للترتيبات الأمنية، وجهاز المخابرات، والقوات المشتركة، ودرع السودان، وشباب المقاومة الشعبية، وكل القوى المساندة.
وستكون النهاية، كما يتوقع الكاتب، تشييعًا للمليشيا إلى مزبلة التاريخ وسلة النسيان، عبرةً لمن يعتبر، وعظةً لمن يتعظ.
وسيظل إقليم النيل الأزرق، في ختام هذا المقال، مقبرةً لكل طامع، ونهايةً لحلم كل حالم.
هذا ما لدي، والرأي لكم.

