جامعة كردفان منارة العلم ومسيرة إنجاز لم توقفها الحرب

همس البوادي
كتبت/ سعاد سلامة
ليست السنوات وحدها هي التي تصنع مكانة المؤسسات وإنما المواقف التي تكشف معدنها الحقي عندما تصبح الظروف أقسى من المعتاد فهناك مؤسسات تعبر الزمن وهناك مؤسسات تصنع التاريخ وجامعة كردفان واحدة من المؤسسات التي لم تكتف بأن تحتفل بستة وثلاثين عاماً من عمرها بل حولت هذه السنوات إلى رحلة عطاء وبناء وتميز وريادة
منذ تأسيسها ظلت الجامعة تحمل رسالة أكبر من حدود التعليم الأكاديمي فأصبحت بيتاً للعلم ومنارة للمعرفة وركيزة أساسية في خدمة المجتمع والتنمية بإقليم كردفان والسودان عامة تؤمن بأن بناء الإنسان هو الطريق الأقصر لبناء الأوطان
وعندما إندلعت الحرب لتضع مؤسسات الدولة أمام إختبار صعب لم تنظر جامعة كردفان إلى الأزمة باعتبارها نهاية الطريق بل تعاملت معها كمرحلة تتطلب مزيداً من الإرادة والعمل فأثبتت أن المؤسسات التي تمتلك رؤية واضحة تستطيع أن تحافظ على رسالتها مهما كانت التحديات
وفي قلب هذه المرحلة الاستثنائية برزت قيادة مدير الجامعة البروفيسور عبدالله محمد عبدالله الذي حمل مسؤولية قيادة المؤسسة في واحدة من أصعب فتراتها واضعاً نصب عينيه أن الحفاظ على التعليم ليس مجرد عمل إداري بل مسؤولية وطنية تجاه أجيال كاملة
لقد آمن مدير الجامعة بأن الحرب لا ينبغي أن تكون سبباً لتعطيل مسيرة العلم وأن الجامعة التي تتوقف عن أداء دورها تفقد جزءاً من رسالتها لذلك قاد جهود الاستقرار الأكاديمي والإداري بروح التحدي مؤكداً أن قوة المؤسسات لا تقاس بغياب الأزمات وإنما بقدرتها على تجاوزها
وبفضل هذه الرؤية استطاعت الجامعة المحافظة على العملية التعليمية والأكاديمية والجمع بين التعليم المباشر والتعليم الإلكتروني وتوفير متطلبات الاستقرار من خدمات الإنترنت وبدائل الطاقة لتواصل أداء دورها رغم الظروف الاستثنائية
ولم يكن هذا النجاح وليد جهد فردي بل ثمرة عمل مؤسسي قاده مدير الجامعة مع أسرة الجامعة بكامل مكوناتها حيث عمل على تعزيز روح الفريق الواحد والمحافظة على الكفاءات وحماية ممتلكات الجامعة وسمعتها العلمية وترسيخ ثقافة أن الجامعة مسؤولية جماعية
ومن أبرز ثمار هذا الصمود نجاح الجامعة في معالجة تراكم الدفعات وتحقيق استقرار أكاديمي أثمر تخريج ثلاث دفعات في تخصصات مختلفة على مستوى البكالوريوس والدبلوم التقني والدراسات العليا خاصة في المجالات الصحية التي رفدت الولاية بكوادر مؤهلة كان لها دور مهم في دعم القطاع الصحي
ولم تتوقف إنجازات الجامعة عند حدود التعليم فقد ظلت حاضرة في مجتمعها عبر كلية المجتمع ومركز دراسات السلام والتنمية وأسهمت في تعزيز قيم السلام والتسامح وقبول الآخر ومواجهة خطابات الكراهية والعنصرية والجهوية انطلاقاً من إيمانها بأن المعرفة تصنع مجتمعاً أكثر استقراراً
وفي موقف يعكس مسؤوليتها الوطنية بادرت الجامعة بتقديم الدعم المادي والمعنوي لمراكز الإيواء بولاية شمال كردفان لتؤكد أن دورها يمتد إلى خدمة الإنسان ومساندة المجتمع في أوقات المحن
وعلى صعيد تطوير بيئة العمل حققت الجامعة خطوات مهمة عبر تركيب 23 منظومة طاقة شمسية وحفر 5 آبار مياه بالتعاون مع مؤسسات الولاية لتوفير مقومات الاستقرار واستمرار الأداء
وفي الوقت الذي كانت فيه الحرب تهدم الكثير من المشروعات اختارت جامعة كردفان طريق البناء فأنشأت مقراً دائماً لإدارة الجامعة وأطلقت مركز طب وجراحة الأسنان الذي أصبح إضافة نوعية لغرب السودان مقدماً خدماته لأكثر من 2000 مريض شهرياً فضلاً عن دوره في تدريب الطلاب وتنفيذ الأيام العلاجية المجانية
كما مضت الجامعة بخطى ثابتة نحو التحول الرقمي عبر إنشاء مركز الدراسات الإحصائية والمعلوماتية لدعم مؤسسات الولاية إلى جانب مشروعات تطويرية تشمل معمل حاسوب حديث بكلية دراسات الحاسوب والإحصاء ومرافق خدمية جديدة وإنشاء مركز لريادة الأعمال لدعم الابتكار والشباب
ولأن الجامعة تنتمي إلى بيئتها فقد ربطت البحث العلمي بموارد كردفان وإمكاناتها الاقتصادية من خلال إنشاء مركز بحوث واستشارات الحبوب الزيتية للاستفادة من الميزة النسبية للمنطقة في إنتاج المحاصيل الزيتية ودعم الصناعات التحويلية وتوفير فرص البحث والتدريب
*فاصلة*
إن قصة جامعة كردفان ليست قصة مؤسسة حافظت على بقائها فقط بل قصة مؤسسة واصلت الإنجاز في زمن التحديات وأثبتت أن العلم لا يتراجع أمام الأزمات وأن الإدارة الواعية قادرة على تحويل الصعوبات إلى فرص والبناء إلى واقع
جامعة كردفان اليوم ليست مجرد جامعة في خارطة التعليم العالي بل منارة علم في كردفان ومسيرة إنجاز لم توقفها الحرب ونموذج سوداني يؤكد أن المؤسسات التي تمتلك رؤية ورسالة قادرة على صناعة المستقبل مهما كانت الظروف
اللهم آمنا في أوطاننا

