المرور يستعيد «ذاكرة السيارات».. رقمنة شاملة وخطة للسيطرة على الطرق في 2026

52 دورة تدريبية ترفع كفاءة أكثر من 3 آلاف منسوبي المرور.. وخطط لمراقبة سرعة البصات وتوزيع غرف التحكم على الولايات
الخرطوم/ خالد الفكي
بينما تستعيد الخرطوم عافيتها خطوةً إثر أخرى، تتحرك شرطة المرور على جبهة لا تقل أهمية عن معركة إعادة الإعمار؛ جبهة الشوارع، والبيانات، والسلامة المرورية. وفي منبر الشرطة الدوري رقم (4)، الذي خُصص لاستعراض أداء الإدارة العامة للمرور، برزت ملامح مرحلة جديدة تتجه فيها المنظومة المرورية نحو استعادة ما فقدته الحرب، والتحول الرقمي، وتوسيع نطاق الرقابة على الطرق.
واستضاف المنبر الإدارة العامة للمرور، بحضور وزير الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم الأستاذ الطيب سعد الدين، ورئيس هيئة التوجيه والخدمات ورعاية وزارة الداخلية ورئاسة قوات الشرطة، الفريق شرطة حقوقي عبد الفتاح عثمان محمد أحمد، إلى جانب قيادات شرطية وإعلامية، حيث جرى استعراض أبرز الإنجازات التي تحققت، والملامح الرئيسية لخطة العام 2026 الرامية إلى تحديث العمل المروري وتعزيز الأمن والاستقرار.

استعادة «ذاكرة السيارات».. إنجاز يعيد الممتلكات إلى أصحابها
وكشف مدير عام الإدارة العامة للمرور، اللواء شرطة حاتم محمود منصور، عن نجاح الإدارة في استعادة قواعد البيانات الكاملة لجميع السيارات في السودان، واصفاً الخطوة بأنها واحدة من أكبر الإنجازات التي تحققت خلال الفترة الماضية.
وأوضح أن استعادة البيانات أسهمت بصورة مباشرة في استرداد عدد كبير من سيارات المواطنين وممتلكاتهم التي فُقدت خلال فترة الحرب، في خطوة أعادت إلى الدولة والمواطنين جزءاً مهماً من منظومة التوثيق والضبط المروري.

من الرخص الورقية إلى «المرور الذكي»
وأكد اللواء منصور أن خطة العام 2026 تضع تأهيل المنشآت المرورية وتطوير الخدمات المقدمة للمواطنين في مقدمة أولوياتها، إلى جانب تسريع التحول الرقمي الشامل داخل الإدارة.
وتشمل الخطة إدخال أنظمة وتقنيات حديثة، من بينها منصة «ساري» التي تتيح تجديد رخص القيادة من 16 دولة عربية، فضلاً عن برنامج التتبع الجغرافي، وأجهزة الرقابة على تأمين المركبات، إلى جانب تطوير أنظمة مراقبة وضبط سرعة البصات السفرية، للحد من الحوادث المرورية وحماية أرواح المسافرين.
كما تتضمن الخطة توزيع غرف للتحكم والمراقبة في مختلف ولايات السودان، بما يضمن توسيع نطاق التغطية وتعزيز القدرة على التعامل السريع مع المخالفات والحوادث والحالات الطارئة.
وأشار مدير عام المرور إلى أن هذه الخطط تتزامن مع جهود مكثفة لتأهيل الكوادر وتطوير قدراتها، مؤكداً أن تحديث الأجهزة والأنظمة لا ينفصل عن الاستثمار في العنصر البشري.
أكثر من 3 آلاف شرطي على مقاعد التدريب
من جانبه، أشاد الناطق الرسمي باسم قوات الشرطة، العميد فتح الرحمن التوم، بالتضحيات الكبيرة التي قدمتها الإدارة العامة للمرور ومنسوبوها خلال معركة الكرامة، مشيراً إلى استمرار الجهود الرامية إلى تقديم خدمات تعزز السلامة المرورية على الطرق.
وأكد التوم استمرار برامج التدريب والتوعية لرفع كفاءة منسوبي المرور، كاشفاً عن تنفيذ 52 دورة تدريبية، استفاد منها 536 ضابطاً و2625 فرداً.
وأوضح أن الدورات ركزت على تنمية السلوك الإيجابي، وتحسين أساليب التعامل مع المواطنين، إلى جانب التدريب المتقدم على استخدام الآليات والتقنيات الحديثة، بما يواكب متطلبات المرحلة الجديدة في العمل المروري.

شراكة بين المرور والولاية.. والشارع يفرض تحدياته
وفي السياق، ثمّن وزير الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم، الأستاذ الطيب سعد الدين، الشراكة القائمة بين حكومة الولاية والإدارة العامة للمرور، لا سيما في مجالات ترخيص المركبات وتنفيذ الخطط الأمنية.
وقال إن وجود شرطة المرور إلى جانب الدوريات الأمنية يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على مدار الساعة، مؤكداً أن رجل المرور أصبح جزءاً أساسياً من منظومة حفظ الأمن وانضباط الحياة اليومية في العاصمة.
وأشار سعد الدين إلى أن ولاية الخرطوم لا تزال تواجه إفرازات الحرب وتحدياتها الميدانية، موضحاً أن رجل المرور يتحمل جانباً كبيراً من هذه التحديات من خلال وجوده الدائم في الشارع، والتعامل مع بعض المظاهر السالبة، من بينها القيادة المتهورة لبعض الشباب خلال ساعات الليل، بما قد يشكل خطراً على السلامة العامة والأمن المجتمعي.

البيتومين.. العقبة التي تؤخر سفلتة الطرق
وفي ما يتعلق بالبنية التحتية، أوضح وزير الثقافة والإعلام والسياحة أن تأخر سفلتة بعض الطرق لا يرتبط بعوائق مالية أو إدارية، وإنما يعود بصورة أساسية إلى عدم توفر مادة البيتومين.
وأضاف أن عزوف بعض الشركات الموردة عن التقدم للعطاءات، بسبب عدم استقرار العملة الوطنية، أدى إلى تعقيدات إضافية في تنفيذ مشروعات الطرق، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على سلامة الطرق وانسياب الحركة المرورية.
الطريق إلى 2026.. حين تصبح البيانات جزءاً من الأمن
ويكشف ما طُرح في منبر الشرطة الدوري عن أن معركة المرور في السودان لم تعد تقتصر على تنظيم حركة المركبات أو تحرير المخالفات؛ فقد أصبحت معركة متكاملة لاستعادة البيانات، وتأمين الممتلكات، ورقمنة الخدمات، ومراقبة الطرق، وتأهيل الكوادر.
وبينما تتجه الإدارة العامة للمرور إلى توسيع استخدام التكنولوجيا، تظل المعادلة الأصعب في الشارع السوداني هي تحقيق التوازن بين التقنية والانضباط، وبين إعادة بناء البنية التحتية واستعادة الثقة، في وقت تتحول فيه الطرق إلى مرآة حقيقية لمرحلة ما بعد الحرب.
ففي الخرطوم التي تحاول النهوض من بين الركام، لا تبدو إشارات المرور مجرد أضواء تتبدل على التقاطعات؛ بل علامات على عودة الدولة إلى الشارع، واستعادة النظام لمساحاته، وفتح الطريق أمام حياة مدنية أكثر أمناً وانضباطاً.


