حوارات ومقالات

القبول للجامعات… هزائم وجدانية

 

 

للأمانة والتاريخ

 

كتب/ محجوب حسون

 

(1)

 

جاء اختيار تقى، الأولى في الشهادة السودانية للعام 2026م، لجامعة مأمون حميدة الخاصة، مفضِّلةً إياها على جامعة الخرطوم ومثيلاتها من الجامعات الحكومية، بشيء غير مألوف، أثار دهشة الكثيرين وأثار تساؤلات واسعة، وأفطر قلوب الأمهات والآباء، وأحبط طموحات الطلاب وتطلعاتهم إلى مستقبل مشرق في الجامعات السودانية الحكومية.

 

(2)

 

نعم، اهتزت مشاعر السودانيين لهذا الاختيار الصادم والمؤلم في نظر الكثيرين، وأحاطت بهذا الاهتزاز مشاعر الحسرة والندامة والدموع، بعيدًا عن مشاعر العطف والإعجاب والتأييد التي كانت تصاحب اختيارات الطلاب بشأن مستقبلهم الجامعي في السنوات السابقة، حين كانوا يختارون الجامعات والكليات التي يرغبون في الالتحاق بها.

 

(3)

 

بلا شك، اختلفت تقى عن المألوف، بل قلبت موازين الاختيار الجامعي رأسًا على عقب، برفضها خيار الالتحاق بالجامعات الحكومية السودانية، التي ظلت الخيار الأول والأفضل لدى كثير من السودانيين منذ فجر الاستقلال عام 1956م.

 

وفي مقدمة تلك الخيارات، ظلت جامعة الخرطوم، «الجميلة والمستحيلة»، التي تخرّج فيها نوابغ ومتميزون سجّلوا اسم الأمة السودانية في سجل الخلود العالمي، من بينهم البروفيسور محجوب عبيد طه، والبروفيسور عبد الله الطيب، والدكتور حسن عبد الله الترابي.

 

(4)

 

وللأمانة والتاريخ، فإن هذا الاختيار صدم تطلعات الكثيرين، وتسبّب في ما يشبه الهزيمة الوجدانية للأمة السودانية، التي تشكّلت نظرتها إلى التعليم الجامعي الحكومي على مدى سبعين عامًا. ورغم أن الاختيار حق مشروع للطالبة وأسرتها، فإن الأمر يستدعي دراسة علمية وبحثية واقعية، تنطلق من جملة تساؤلات جوهرية.

 

ما تأثيرات حرب عام 2023م على الجامعات السودانية وأساتذتها؟ ولماذا فضّلت تقى وأسرتها جامعة مأمون حميدة على جامعة الخرطوم؟ وهل صحيح أن هذا الاختيار جاء نتيجة مقابل مادي ووعود مستقبلية، وصلت، بحسب ما يُشاع، إلى حجز فرص عمل والتحضير للدراسات العليا؟

 

وهل المقررات الدراسية النظرية وغير النظرية في الجامعات الحكومية، في ظل ما يُثار بشأن ضعف التطبيقات العملية، باتت غير مقنعة للدارسين ولا تلبي احتياجات سوق العمل؟

 

ولماذا تتأخر فترات التخرّج في الجامعات، لتتراوح بين ست سنوات واثنتي عشرة سنة في كليات الطب، وأحيانًا في كليات أخرى؟ وهل صحيح أن بعض الأساتذة يمارسون أساليب غير سليمة في التعامل مع الطلاب، من خلال تكليفهم بشراء مذكرات ومتابعات دراسية متعددة، بالتنسيق مع بعض المكتبات، مقابل حصول الأستاذ وصاحب المكتبة على نسب مالية؟

 

وهل تحتاج ثورة التعليم العالي إلى ثورة أخرى تعيد تقييم مؤسساته وتقويم أدائه، في ظل كثرة الجامعات وتعدد التساؤلات بشأن جودة مخرجاتها؟

 

إنها أسئلة مفتوحة أمام أهل السودان جميعًا، ولكل من يرغب في إصلاح واقع التعليم العالي، بما يضمن تخريج طلاب متميزين قادرين على إحداث الفارق، وبناء مجد الأمة السودانية في عصر الثورة الرقمية.

 

نعم، نشجّع الاستثمار الخاص المثمر في التعليم، سواء على نهج أبي ذر الكودة، أو محجوب العبادي، أو محمدين، أو مأمون حميدة، أو الجامعة الوطنية، أو جامعة قاردن سيتي. لكن سمعة التعليم والمصلحة العامة لأهل السودان تظلان فوق الجميع.

 

صحفي وباحث سوداني

 

السبت 24 أكتوبر 2026م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوي محمي